❞ كتاب منهج ابن تيمية في الفقه ❝

❞ كتاب منهج ابن تيمية في الفقه ❝

أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة منهج ابن تيمية في الفقه من الفقه
عنوان الكتاب: منهج ابن تيمية في الفقه
المؤلف: سعود بن صالح العطيشان

نبذة عن الكتاب: - أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة

1) الالتزام بالكتاب و السنة و آثار السلف:

أكد ابن تيمية –رحمه الله- على اهتمامه بهده الأصول بناء على المنهج الذي التزم به و سار عليه أئمة الهدى قبله. فلا قوام لعلم و إيمان مالم يرتبطا بهذه الأصول. قال رحمه الله : (فمن بنى الكلام في علم الأصول و الفروع على الكتاب و السنة و الآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة و كذلك من بنى الإرادة و العبادة و العمل و السماع المتعلق بأصول الأعمال و فروعها من الأحوال القلبية و الأعمال البدنية على الإيمان و السنة و الهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه و سلم و أصحابه , فقد أصاب طريق النبوة و هذه طريق أئمة الهدى )[1]
و لقد احتل جانب العقيدة في مباحثه الفقهية حيزا كبيرا , فكثيرا ما يضمن مباحثه الفقهية مسائل في العقيدة أو لها تعلق فيها كالاستقامة على نهج السلف أو إرشاد و توجبه , أو الدعوة إلى الإخلاص في النية و العمل و الاحتساب في الأعمال , و أداء العبادات على وفق تعاليم الشارع , أو النصح و الترغيب بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد في سبيل الله , و الحث على الإنفاق في سبيل الله إلى غير ذلك من المقاصد و الأعمال التي هي ذات علاقة أصلية بالعقيدة و السلوك .
و سوف أبسط الكلام عن هذا في المنهج التفصيلي لابن تيمية إن شاء الله.
2) فهم النصوص على مراد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم مستعينا بفهم السلف لذلك:

اتصف منهج ابن تيمية –رحمه الله- بالاهتمام بأقوال و مفهومات السلف و على الأخص القرون الثلاثة الأول , حيث ركز جل تفكيره و مصادر تثقيفه على علماء تلك القرون المفضلة , و هذا الاتجاه لابن تيمية منطلق من قول النبي صلى الله عليه و سلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)[2]
و قال رحمه الله : (فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول و المنقول )[3]
و من هذا المنهج انطلق ابن تيمية يحدد فهم النصوص التي يعتقد أنها مخالفة للأصول و يبين المقلصد و المعاني المطلوبة من تلك النصوص و يسير بها وفق مفهومات سليمة تحقق المصالح المرجوة من توجيهات الشارع لحفظ الإنسن و سيره وفق تعاليم ربانية تعمل على تحقيق ما يوفره له الخير و الفلاح في دينه و دنياه.
قال رحمه الله تعالى : (وانظر في عموم كلام الله –عز و جل- ورسوله لفظا و معنى حتى تعطيه حقه و أحسن ما استدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده , فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة و جريها على الأصول الثابتة )[4]
و هذه الطريقة التي سار عليها ابن تيمية –رحمه الله- تحتاج إلى تفصيل و ضرب أمثلة توضيحية تبين مدى عنايته بتتبع آثار السلف و إحيائها و بيان سلامتها وفق أصول الشريعة و قواعدها , و سوف أفصل الكلام عن هذه الطريق في المنهج التفصيلي إن شاء الله , و أوضح أهداف ابن تيمية في هذه المفهومات و ما يترتب عليها , و كيف دعا إليها ابن تيمية ليفرضها على المفهومات التي كانت سائدة في عصره رحمه الله .
3) تحقيق مقاصد الشارع بجلب المصالح ودرء المفاسد:

أولى ابن تيمية –رحمه الله- هذا الجانب اهتماما كبيرا , حيث تتبع و أبرز مقاصد الشارع من النصوص الشرعية , و بين الأسباب التي رتبت عليها الأحكام و هو يقرر في غالب بحوثه الأهداف المرجوة لمقاصد الشارع عندما ينهى عن شيء أو يأمر به . قال –رحمه الله- : (و معلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح و تكميلها و تعطيل المفاسد و تقليلها , و أمرنا بتقديم خير الخيرين بتفويت أدناهما و بدفع شر الشرين باحتمال أدناهما )[5]
و هذه الخاصية على أنها جديرة بالاهتمام لمعرفة الحقائق الشرعية بجلب المصالح و درء المفاسد فإنها في الوقت نفسه تعطي الباحث تذوقا علميا و توجد الاطمئنان و الارتياح عند الباحث لمعرفة ما ترمي إليه تلك المقاصد , و هذا بخلاف ما جرت به بعض المؤلفات الفقهية من إتيانها بأسلوب مغاير تماما لهذا الأسلوب , حيث تأتي بالفقه على شكل مادة جافة أشبه ما تكون بالأساليب العسكرية خالية من المرونة و التعليل المناسب للمقاصد الهادفة لتوجيه الشارع.
و مما تجدر إليه الإشارة أنه بقدر ما اهتم ابن تيمية –رحمه الله- بتحقيق المصالح و إبراز الفرص المؤدية إليها اهتم أيضا بدرء المفاسد المتمثل بأصل سد الذرائع الذي أولا ابن تيمية –رحمه الله- اهتماما معدوم النظير , و قد أبرز ذكر هذا الأصل في كتابه المشهور ( بيان الدليل على إيطال التحليل )




4) الدعوة إلى التفقه في دين الله و نبذ الجمد:

سعى ابن تيمية منذ شهرته للدعوة إلى تحرير العقول من قيود التعصب المذهبي و العود بها إلى الفقه في دين الله معتمدا على ما نقله سلف الأمة , و ما خلفوه من تراث علمي . و كان الدافع لهذا الاتجاه هو ما كان يموج في عصره من التعصب الممقةت الكامن في بعض متبعي المذاهب , و الفقه عندهم هو ما قاله فلان من منسوبي المذهب و علل به فلان صارفين العقول عن الأخذ مما أخذ منه سلف هذه الأمة .
و حيث إن هذا له دور سلبي في الناحيتين العلمية و الاجتماعية , فالناحية العلمية أصيبت بركود فكري لما كان كل فقيه لا يقبل الأخذ من أي مصدر آخر إلا من المذهب الذي نشأ عليه آباؤه دون أن يعمل عقله و إمكاناته العلمية , و إنما هو التقليد و المحاكاة . أما الناحية الاجتماعية فالتناحر بين المذاهب و ضرب الحصار على كل فئة لا تلتزم بما تلتزمه تلك الفئة ووضع الشروط و القيود حتى أدى بهم الوضع إلى التفكير أحيانا . لما رأى ابن تيمية هذا ظادرك –رحمه الله- أهمية الموقف و دعا إلى العودة بعصره إلى المدرسة السلفية .
قال رحمه الله : ( فإن من الناس من إذا اعتقد استحباب فعل و رجحانه يحافظ عليه مالا يحافظ على الواجبات , حتى يخرج به الأمر إلى الهوى و التعصب و الحمية الجاهلية كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور و غيرها فيراها شعارا لمذهبه...)[1]
و قال رحمه الله تعالى : ( و أسوأ أنواع التقليد و التعصب هو التزام مذهب معين و التسلم بكل ما يوجبه هذا المذهب و يخبر عنه )
و هذا ليس يقصد به ابن تيمية المساس ب الأئمة و ما قدموه من علم , بل هم خدموا الأمة الإسلامية بإخلاص و ليس أدل على ذلك من كتابه " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " , فقد بين فيه موقفه من الأئمة و فضلهم على الأمة و اعتذر لما وقع منهم من خطأ .
و إنما يقصد ابن تيمية بذلك متبعي المذاهب الذين غالوا في التعصب و نسبوا للمذاهب مالم يقله أئمتها , أو ما لا يوافق أصولهم قال رحمه الله : ( و هذا لأن الأئمة قد انتسب إليهم في الفروع طوائف من أهل البدع و الأهواء و المخالفين لهم في الأصول مع براءة الأئمة من أولئك الأتباع و هذا مشهور )[2]
5) مراعاة الأصول و القواعد العامة:

مما يتميز به منهج ابن تيمية –رحمه الله- ربط منهجه بالأصول و القواعد العامة و سبب كثافة العناية بهذا الجانب من ابن تيمة –مع أنه هو المنهج السليم للفقيه المجتهد- هو ما لاحظه من تفكك الأفكار و اختلاف المفهومات و الخطأ في كثير من المسائل الشرعية عند كثير ممن ينسب للعلم مع سلامة المقاصد , وهذا الاختلاف و الخطأ ناتج عن النظرة الجزيئية في الأدلة الشرعية , فعندما يتظر الفقيه في حديث معين يتناول مسألة فرعية دون استقراء للأصول و القواعد يأتي مفهومه ضيقا مما يؤدي إلى التعارض عند الفقيه بين النصوص و الأصول , و هذا ما حذر منه ابن تيمية –رحمه الله- و دعا إلى المنهجية المتكاملة , و قرر القواعد و أحيا الأصول في ثنايا المسائل , حتى أنه ألف في ذلك عدة مؤلفات منها القواعد الفقهية , و قاعدة العقد و رسالة القياس .
قال رحمه الله : ( و انظر في عموم كلام اللع –عز و جل- و رسوله لفظا و معنى حتى تعطيه حقه و أحسن ما يستدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده , فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة و جريها على الأصول الثابتة )[3]
6)
موافقة المعقول للمنقول و شمولية النصوص للأحكام:

اهتم ابن تيمية بدور العقل في الشريعة الإسلامية , و إن العقل السليم بأفكاره و تصوراته إذا كان مبنيا على مقومات صحيحة كان ما يقرره صحيحا و هو الرابط بين تعاليم الإسلام و الموجد للحلول المناسبة لما أشكل من القضايا الإسلامية , و هذا ليس على سبيل الاستقلال ورد النصوص به , فهو يرفض هذه الفكرة التي نشأت عن بعض الفلاسفة و التي رد عليها في كتابه ( درء تعارض العقل و النقل ) قال رحمه الله : ( و دلالة القرآن على الأمور "نوعان" أحدهما : خبر الله الصادق فما أخبر الله و رسوله به , فهو حق كما أخبر الله به . و الثاني : دلالة القرآن بضرب الأمثال و بيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب , فهذه دلالة شرعية عقلية , فهي شرعية , لأن الشرع دل عليها و أرشد إليها , و عقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل و لا يقال : إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر )[4]
و قال : ( ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع و الضار في المعاش و المعاد )
و ابن تيمية يعتبر العقل وسيلة لفهم النصوص و استنباط العلل و الحكم الشرعية , و يعطيه في هذه الحالة الصفة الشرعية , يقول رحمه الله : ( و إذا أخبر الله بالشيء و دل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره و مدلولا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به , فيصير ثابتا بالسمع و العقل و كلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية )[5]
ولا يوجد معقول صريح يخالفه نص صريح , و لذا ألف رسالته (القياس) للرد على اعتقاد أن بعض النصوص أتت مخالفة للقياس .
يقول فيها : (و بالجملة فما عرفت حديثا صحيحا إلا و يمكن أن يخرج على الأصول الثابتة , وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا يخالف حديثا صحيحا كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح )
و ابن تيمية –رحمه الله- بأخذه بهذا المنهج يعطي العقل وظيفت في الستنباط و التعليل و المفهومات بشكل ملحوظ ووظيفتة هذه تعمل في إطار التعاليم الشرعية قال رحمه الله : (المقصود هنا أن النصوص شاملة لجميع الأحكام , و نحن نبين ذلك مما هو أشكل الأشياء للتنبيه به على ما سواه )[6]
ومن لوازم هذا الجانب ما أبرزه ابن تيمية في ثنايا مؤلفاته بسلامة الشريعة من التناقض و أنها متناسبة و إنما سبب التناقض هو قصر الفهم أو خطؤه .
يقول رحمه الله تعالى : ( و المقصود هنا التنبيه على إفساد من يدعي التناقض في معاني الشريعة أو ألفاظها و يزعم أن الشارع يفرق بين المتماثلين بل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بعث بالهدى و دين الحق بالحكو و العدل و الرحمة , فلا يفرق بين شيئين في الحكم إلا لافتراق صفاتهما المناسبة للفرق , و لا يسوي بين شيئين إلا لتمائلهما في الصفات المناسبة للتسوية )
7)
التسهيل و التيسير مالم يكن مانع شرعي :

درج ابن تيمية على الاهتمام بهذا الجانب في منهجه حتى أنه كثير الاستشهاد بقواه تعالى :
(فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا ) [7]
و هذا التيسير في مفهوم ابن تيمية بحدود ما يدركه على ضوء الأدلة الشرعية فهو لا يتجه لهذا الجانب إذا وجد دليلا في المسألة يمنع , بل يحرص على الدليل و يوضحه و يبين أهدافه , و يلتزم جانب الشدة عندما يكون جانب التيسير يدعو إلى أمر يؤول إلى بدعة أو فساد و تجده يشن حربا علمية على تلك القضية و يبين الوجه الشرعي و مفاسد تلك القضية , و هذا الجانب الذي اهتم به كثيرا إلى جانب التيسير هو أصل سد الذرائع .
و الدافع لابن تيمية للاهتمام بهذا الجانب , هو ما أملاه الشارع في الدعوة إلى التيسير و التسهيل , حيث قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( فإنما بعثتم ميسرين و لم تبعثوا معسرين ) [8] .
و أيضا ما وجد عليه بعض المذاهب الفقهية من ترجبح جانب غلط المفسدة المقتضي للحظر و لا ينظر إلى الحاجة الموجبة للإذن و التشدد في مسائل ليس عليها دليل شرعي بالمنع , و إنما هي مفهومات لبعض العمومات أو استنباطات أو مظنة للمفسدة مثل بيع المعدوم و تأجير الشجر و التسامح في أحكام العقود و الشروط – و لذا يقول رحمه الله : ( فهذا أصل عظيم في هذه المسائل و نوعها لا ينبغي أن ينظر إلى غلط المفسدة المقتضية للحظر و لا ينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب )
بينما نجد هذه المسائل في رأي ابن تيمية من الأمور الجائزة حسب ما تقتضيه المصلحة بناء على ما استنبطه شرعا و على العمومات الشرعية الداعية إلى التيسير و الاستناد إلى أحكام الضرورة , و لذا يقول رحمه الله : ( من استقرأ الشريعة في مواردها و مصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى (فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه )[9] -
من كتب الفقه العام الفقه الإسلامي - مكتبة كتب إسلامية.

نُبذة عن الكتاب:
منهج ابن تيمية في الفقه

1999م - 1443هـ
أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة منهج ابن تيمية في الفقه من الفقه
عنوان الكتاب: منهج ابن تيمية في الفقه
المؤلف: سعود بن صالح العطيشان

نبذة عن الكتاب: - أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة

1) الالتزام بالكتاب و السنة و آثار السلف:

أكد ابن تيمية –رحمه الله- على اهتمامه بهده الأصول بناء على المنهج الذي التزم به و سار عليه أئمة الهدى قبله. فلا قوام لعلم و إيمان مالم يرتبطا بهذه الأصول. قال رحمه الله : (فمن بنى الكلام في علم الأصول و الفروع على الكتاب و السنة و الآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة و كذلك من بنى الإرادة و العبادة و العمل و السماع المتعلق بأصول الأعمال و فروعها من الأحوال القلبية و الأعمال البدنية على الإيمان و السنة و الهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه و سلم و أصحابه , فقد أصاب طريق النبوة و هذه طريق أئمة الهدى )[1]
و لقد احتل جانب العقيدة في مباحثه الفقهية حيزا كبيرا , فكثيرا ما يضمن مباحثه الفقهية مسائل في العقيدة أو لها تعلق فيها كالاستقامة على نهج السلف أو إرشاد و توجبه , أو الدعوة إلى الإخلاص في النية و العمل و الاحتساب في الأعمال , و أداء العبادات على وفق تعاليم الشارع , أو النصح و الترغيب بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد في سبيل الله , و الحث على الإنفاق في سبيل الله إلى غير ذلك من المقاصد و الأعمال التي هي ذات علاقة أصلية بالعقيدة و السلوك .
و سوف أبسط الكلام عن هذا في المنهج التفصيلي لابن تيمية إن شاء الله.
2) فهم النصوص على مراد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم مستعينا بفهم السلف لذلك:

اتصف منهج ابن تيمية –رحمه الله- بالاهتمام بأقوال و مفهومات السلف و على الأخص القرون الثلاثة الأول , حيث ركز جل تفكيره و مصادر تثقيفه على علماء تلك القرون المفضلة , و هذا الاتجاه لابن تيمية منطلق من قول النبي صلى الله عليه و سلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)[2]
و قال رحمه الله : (فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول و المنقول )[3]
و من هذا المنهج انطلق ابن تيمية يحدد فهم النصوص التي يعتقد أنها مخالفة للأصول و يبين المقلصد و المعاني المطلوبة من تلك النصوص و يسير بها وفق مفهومات سليمة تحقق المصالح المرجوة من توجيهات الشارع لحفظ الإنسن و سيره وفق تعاليم ربانية تعمل على تحقيق ما يوفره له الخير و الفلاح في دينه و دنياه.
قال رحمه الله تعالى : (وانظر في عموم كلام الله –عز و جل- ورسوله لفظا و معنى حتى تعطيه حقه و أحسن ما استدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده , فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة و جريها على الأصول الثابتة )[4]
و هذه الطريقة التي سار عليها ابن تيمية –رحمه الله- تحتاج إلى تفصيل و ضرب أمثلة توضيحية تبين مدى عنايته بتتبع آثار السلف و إحيائها و بيان سلامتها وفق أصول الشريعة و قواعدها , و سوف أفصل الكلام عن هذه الطريق في المنهج التفصيلي إن شاء الله , و أوضح أهداف ابن تيمية في هذه المفهومات و ما يترتب عليها , و كيف دعا إليها ابن تيمية ليفرضها على المفهومات التي كانت سائدة في عصره رحمه الله .
3) تحقيق مقاصد الشارع بجلب المصالح ودرء المفاسد:

أولى ابن تيمية –رحمه الله- هذا الجانب اهتماما كبيرا , حيث تتبع و أبرز مقاصد الشارع من النصوص الشرعية , و بين الأسباب التي رتبت عليها الأحكام و هو يقرر في غالب بحوثه الأهداف المرجوة لمقاصد الشارع عندما ينهى عن شيء أو يأمر به . قال –رحمه الله- : (و معلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح و تكميلها و تعطيل المفاسد و تقليلها , و أمرنا بتقديم خير الخيرين بتفويت أدناهما و بدفع شر الشرين باحتمال أدناهما )[5]
و هذه الخاصية على أنها جديرة بالاهتمام لمعرفة الحقائق الشرعية بجلب المصالح و درء المفاسد فإنها في الوقت نفسه تعطي الباحث تذوقا علميا و توجد الاطمئنان و الارتياح عند الباحث لمعرفة ما ترمي إليه تلك المقاصد , و هذا بخلاف ما جرت به بعض المؤلفات الفقهية من إتيانها بأسلوب مغاير تماما لهذا الأسلوب , حيث تأتي بالفقه على شكل مادة جافة أشبه ما تكون بالأساليب العسكرية خالية من المرونة و التعليل المناسب للمقاصد الهادفة لتوجيه الشارع.
و مما تجدر إليه الإشارة أنه بقدر ما اهتم ابن تيمية –رحمه الله- بتحقيق المصالح و إبراز الفرص المؤدية إليها اهتم أيضا بدرء المفاسد المتمثل بأصل سد الذرائع الذي أولا ابن تيمية –رحمه الله- اهتماما معدوم النظير , و قد أبرز ذكر هذا الأصل في كتابه المشهور ( بيان الدليل على إيطال التحليل )




4) الدعوة إلى التفقه في دين الله و نبذ الجمد:

سعى ابن تيمية منذ شهرته للدعوة إلى تحرير العقول من قيود التعصب المذهبي و العود بها إلى الفقه في دين الله معتمدا على ما نقله سلف الأمة , و ما خلفوه من تراث علمي . و كان الدافع لهذا الاتجاه هو ما كان يموج في عصره من التعصب الممقةت الكامن في بعض متبعي المذاهب , و الفقه عندهم هو ما قاله فلان من منسوبي المذهب و علل به فلان صارفين العقول عن الأخذ مما أخذ منه سلف هذه الأمة .
و حيث إن هذا له دور سلبي في الناحيتين العلمية و الاجتماعية , فالناحية العلمية أصيبت بركود فكري لما كان كل فقيه لا يقبل الأخذ من أي مصدر آخر إلا من المذهب الذي نشأ عليه آباؤه دون أن يعمل عقله و إمكاناته العلمية , و إنما هو التقليد و المحاكاة . أما الناحية الاجتماعية فالتناحر بين المذاهب و ضرب الحصار على كل فئة لا تلتزم بما تلتزمه تلك الفئة ووضع الشروط و القيود حتى أدى بهم الوضع إلى التفكير أحيانا . لما رأى ابن تيمية هذا ظادرك –رحمه الله- أهمية الموقف و دعا إلى العودة بعصره إلى المدرسة السلفية .
قال رحمه الله : ( فإن من الناس من إذا اعتقد استحباب فعل و رجحانه يحافظ عليه مالا يحافظ على الواجبات , حتى يخرج به الأمر إلى الهوى و التعصب و الحمية الجاهلية كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور و غيرها فيراها شعارا لمذهبه...)[1]
و قال رحمه الله تعالى : ( و أسوأ أنواع التقليد و التعصب هو التزام مذهب معين و التسلم بكل ما يوجبه هذا المذهب و يخبر عنه )
و هذا ليس يقصد به ابن تيمية المساس ب الأئمة و ما قدموه من علم , بل هم خدموا الأمة الإسلامية بإخلاص و ليس أدل على ذلك من كتابه " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " , فقد بين فيه موقفه من الأئمة و فضلهم على الأمة و اعتذر لما وقع منهم من خطأ .
و إنما يقصد ابن تيمية بذلك متبعي المذاهب الذين غالوا في التعصب و نسبوا للمذاهب مالم يقله أئمتها , أو ما لا يوافق أصولهم قال رحمه الله : ( و هذا لأن الأئمة قد انتسب إليهم في الفروع طوائف من أهل البدع و الأهواء و المخالفين لهم في الأصول مع براءة الأئمة من أولئك الأتباع و هذا مشهور )[2]
5) مراعاة الأصول و القواعد العامة:

مما يتميز به منهج ابن تيمية –رحمه الله- ربط منهجه بالأصول و القواعد العامة و سبب كثافة العناية بهذا الجانب من ابن تيمة –مع أنه هو المنهج السليم للفقيه المجتهد- هو ما لاحظه من تفكك الأفكار و اختلاف المفهومات و الخطأ في كثير من المسائل الشرعية عند كثير ممن ينسب للعلم مع سلامة المقاصد , وهذا الاختلاف و الخطأ ناتج عن النظرة الجزيئية في الأدلة الشرعية , فعندما يتظر الفقيه في حديث معين يتناول مسألة فرعية دون استقراء للأصول و القواعد يأتي مفهومه ضيقا مما يؤدي إلى التعارض عند الفقيه بين النصوص و الأصول , و هذا ما حذر منه ابن تيمية –رحمه الله- و دعا إلى المنهجية المتكاملة , و قرر القواعد و أحيا الأصول في ثنايا المسائل , حتى أنه ألف في ذلك عدة مؤلفات منها القواعد الفقهية , و قاعدة العقد و رسالة القياس .
قال رحمه الله : ( و انظر في عموم كلام اللع –عز و جل- و رسوله لفظا و معنى حتى تعطيه حقه و أحسن ما يستدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده , فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة و جريها على الأصول الثابتة )[3]
6)
موافقة المعقول للمنقول و شمولية النصوص للأحكام:

اهتم ابن تيمية بدور العقل في الشريعة الإسلامية , و إن العقل السليم بأفكاره و تصوراته إذا كان مبنيا على مقومات صحيحة كان ما يقرره صحيحا و هو الرابط بين تعاليم الإسلام و الموجد للحلول المناسبة لما أشكل من القضايا الإسلامية , و هذا ليس على سبيل الاستقلال ورد النصوص به , فهو يرفض هذه الفكرة التي نشأت عن بعض الفلاسفة و التي رد عليها في كتابه ( درء تعارض العقل و النقل ) قال رحمه الله : ( و دلالة القرآن على الأمور "نوعان" أحدهما : خبر الله الصادق فما أخبر الله و رسوله به , فهو حق كما أخبر الله به . و الثاني : دلالة القرآن بضرب الأمثال و بيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب , فهذه دلالة شرعية عقلية , فهي شرعية , لأن الشرع دل عليها و أرشد إليها , و عقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل و لا يقال : إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر )[4]
و قال : ( ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع و الضار في المعاش و المعاد )
و ابن تيمية يعتبر العقل وسيلة لفهم النصوص و استنباط العلل و الحكم الشرعية , و يعطيه في هذه الحالة الصفة الشرعية , يقول رحمه الله : ( و إذا أخبر الله بالشيء و دل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره و مدلولا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به , فيصير ثابتا بالسمع و العقل و كلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية )[5]
ولا يوجد معقول صريح يخالفه نص صريح , و لذا ألف رسالته (القياس) للرد على اعتقاد أن بعض النصوص أتت مخالفة للقياس .
يقول فيها : (و بالجملة فما عرفت حديثا صحيحا إلا و يمكن أن يخرج على الأصول الثابتة , وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا يخالف حديثا صحيحا كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح )
و ابن تيمية –رحمه الله- بأخذه بهذا المنهج يعطي العقل وظيفت في الستنباط و التعليل و المفهومات بشكل ملحوظ ووظيفتة هذه تعمل في إطار التعاليم الشرعية قال رحمه الله : (المقصود هنا أن النصوص شاملة لجميع الأحكام , و نحن نبين ذلك مما هو أشكل الأشياء للتنبيه به على ما سواه )[6]
ومن لوازم هذا الجانب ما أبرزه ابن تيمية في ثنايا مؤلفاته بسلامة الشريعة من التناقض و أنها متناسبة و إنما سبب التناقض هو قصر الفهم أو خطؤه .
يقول رحمه الله تعالى : ( و المقصود هنا التنبيه على إفساد من يدعي التناقض في معاني الشريعة أو ألفاظها و يزعم أن الشارع يفرق بين المتماثلين بل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بعث بالهدى و دين الحق بالحكو و العدل و الرحمة , فلا يفرق بين شيئين في الحكم إلا لافتراق صفاتهما المناسبة للفرق , و لا يسوي بين شيئين إلا لتمائلهما في الصفات المناسبة للتسوية )
7)
التسهيل و التيسير مالم يكن مانع شرعي :

درج ابن تيمية على الاهتمام بهذا الجانب في منهجه حتى أنه كثير الاستشهاد بقواه تعالى :
(فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا ) [7]
و هذا التيسير في مفهوم ابن تيمية بحدود ما يدركه على ضوء الأدلة الشرعية فهو لا يتجه لهذا الجانب إذا وجد دليلا في المسألة يمنع , بل يحرص على الدليل و يوضحه و يبين أهدافه , و يلتزم جانب الشدة عندما يكون جانب التيسير يدعو إلى أمر يؤول إلى بدعة أو فساد و تجده يشن حربا علمية على تلك القضية و يبين الوجه الشرعي و مفاسد تلك القضية , و هذا الجانب الذي اهتم به كثيرا إلى جانب التيسير هو أصل سد الذرائع .
و الدافع لابن تيمية للاهتمام بهذا الجانب , هو ما أملاه الشارع في الدعوة إلى التيسير و التسهيل , حيث قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( فإنما بعثتم ميسرين و لم تبعثوا معسرين ) [8] .
و أيضا ما وجد عليه بعض المذاهب الفقهية من ترجبح جانب غلط المفسدة المقتضي للحظر و لا ينظر إلى الحاجة الموجبة للإذن و التشدد في مسائل ليس عليها دليل شرعي بالمنع , و إنما هي مفهومات لبعض العمومات أو استنباطات أو مظنة للمفسدة مثل بيع المعدوم و تأجير الشجر و التسامح في أحكام العقود و الشروط – و لذا يقول رحمه الله : ( فهذا أصل عظيم في هذه المسائل و نوعها لا ينبغي أن ينظر إلى غلط المفسدة المقتضية للحظر و لا ينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب )
بينما نجد هذه المسائل في رأي ابن تيمية من الأمور الجائزة حسب ما تقتضيه المصلحة بناء على ما استنبطه شرعا و على العمومات الشرعية الداعية إلى التيسير و الاستناد إلى أحكام الضرورة , و لذا يقول رحمه الله : ( من استقرأ الشريعة في مواردها و مصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى (فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه )[9]
.
المزيد..

تعليقات القرّاء:

- أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة منهج ابن تيمية في الفقه من الفقه

 نبذة عن الكتاب: - أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة 

1) الالتزام بالكتاب و السنة و آثار السلف:

أكد ابن تيمية –رحمه الله- على اهتمامه بهده الأصول بناء على المنهج الذي التزم به و سار عليه أئمة الهدى قبله. فلا قوام لعلم و إيمان مالم يرتبطا بهذه الأصول. قال رحمه الله : (فمن بنى الكلام في علم الأصول و الفروع على الكتاب و السنة و الآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة و كذلك من بنى الإرادة و العبادة و العمل و السماع المتعلق بأصول الأعمال و فروعها من الأحوال القلبية و الأعمال البدنية على الإيمان و السنة و الهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه و سلم و أصحابه , فقد أصاب طريق النبوة و هذه طريق أئمة الهدى )[1]
و لقد احتل جانب العقيدة في مباحثه الفقهية حيزا كبيرا , فكثيرا ما يضمن مباحثه الفقهية مسائل في العقيدة أو لها تعلق فيها كالاستقامة على نهج السلف أو إرشاد و توجبه , أو الدعوة إلى الإخلاص في النية و العمل و الاحتساب في الأعمال , و أداء العبادات على وفق تعاليم الشارع , أو النصح و الترغيب بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد في سبيل الله , و الحث على الإنفاق في سبيل الله إلى غير ذلك من المقاصد و الأعمال التي هي ذات علاقة أصلية بالعقيدة و السلوك .
و سوف أبسط الكلام عن هذا في المنهج التفصيلي لابن تيمية إن شاء الله.
2) فهم النصوص على مراد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم مستعينا بفهم السلف لذلك:

اتصف منهج ابن تيمية –رحمه الله- بالاهتمام بأقوال و مفهومات السلف و على الأخص القرون الثلاثة الأول , حيث ركز جل تفكيره و مصادر تثقيفه على علماء تلك القرون المفضلة , و هذا الاتجاه لابن تيمية منطلق من قول النبي صلى الله عليه و سلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)[2]
و قال رحمه الله : (فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول و المنقول )[3]
و من هذا المنهج انطلق ابن تيمية يحدد فهم النصوص التي يعتقد أنها مخالفة للأصول و يبين المقلصد و المعاني المطلوبة من تلك النصوص و يسير بها وفق مفهومات سليمة تحقق المصالح المرجوة من توجيهات الشارع لحفظ الإنسن و سيره وفق تعاليم ربانية تعمل على تحقيق ما يوفره له الخير و الفلاح في دينه و دنياه. 
قال رحمه الله تعالى : (وانظر في عموم كلام الله –عز و جل- ورسوله لفظا و معنى حتى تعطيه حقه و أحسن ما استدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده , فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة و جريها على الأصول الثابتة )[4]
و هذه الطريقة التي سار عليها ابن تيمية –رحمه الله- تحتاج إلى تفصيل و ضرب أمثلة توضيحية تبين مدى عنايته بتتبع آثار السلف و إحيائها و بيان سلامتها وفق أصول الشريعة و قواعدها , و سوف أفصل الكلام عن هذه الطريق في المنهج التفصيلي إن شاء الله , و أوضح أهداف ابن تيمية في هذه المفهومات و ما يترتب عليها , و كيف دعا إليها ابن تيمية ليفرضها على المفهومات التي كانت سائدة في عصره رحمه الله .
3) تحقيق مقاصد الشارع بجلب المصالح ودرء المفاسد:

أولى ابن تيمية –رحمه الله- هذا الجانب اهتماما كبيرا , حيث تتبع و أبرز مقاصد الشارع من النصوص الشرعية , و بين الأسباب التي رتبت عليها الأحكام و هو يقرر في غالب بحوثه الأهداف المرجوة لمقاصد الشارع عندما ينهى عن شيء أو يأمر به . قال –رحمه الله- : (و معلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح و تكميلها و تعطيل المفاسد و تقليلها , و أمرنا بتقديم خير الخيرين بتفويت أدناهما و بدفع شر الشرين باحتمال أدناهما )[5]
و هذه الخاصية على أنها جديرة بالاهتمام لمعرفة الحقائق الشرعية بجلب المصالح و درء المفاسد فإنها في الوقت نفسه تعطي الباحث تذوقا علميا و توجد الاطمئنان و الارتياح عند الباحث لمعرفة ما ترمي إليه تلك المقاصد , و هذا بخلاف ما جرت به بعض المؤلفات الفقهية من إتيانها بأسلوب مغاير تماما لهذا الأسلوب , حيث تأتي بالفقه على شكل مادة جافة أشبه ما تكون بالأساليب العسكرية خالية من المرونة و التعليل المناسب للمقاصد الهادفة لتوجيه الشارع.
و مما تجدر إليه الإشارة أنه بقدر ما اهتم ابن تيمية –رحمه الله- بتحقيق المصالح و إبراز الفرص المؤدية إليها اهتم أيضا بدرء المفاسد المتمثل بأصل سد الذرائع الذي أولا ابن تيمية –رحمه الله- اهتماما معدوم النظير , و قد أبرز ذكر هذا الأصل في كتابه المشهور ( بيان الدليل على إيطال التحليل ) 


4) الدعوة إلى التفقه في دين الله و نبذ الجمد:

سعى ابن تيمية منذ شهرته للدعوة إلى تحرير العقول من قيود التعصب المذهبي و العود بها إلى الفقه في دين الله معتمدا على ما نقله سلف الأمة , و ما خلفوه من تراث علمي . و كان الدافع لهذا الاتجاه هو ما كان يموج في عصره من التعصب الممقةت الكامن في بعض متبعي المذاهب , و الفقه عندهم هو ما قاله فلان من منسوبي المذهب و علل به فلان صارفين العقول عن الأخذ مما أخذ منه سلف هذه الأمة .
و حيث إن هذا له دور سلبي في الناحيتين العلمية و الاجتماعية , فالناحية العلمية أصيبت بركود فكري لما كان كل فقيه لا يقبل الأخذ من أي مصدر آخر إلا من المذهب الذي نشأ عليه آباؤه دون أن يعمل عقله و إمكاناته العلمية , و إنما هو التقليد و المحاكاة . أما الناحية الاجتماعية فالتناحر بين المذاهب و ضرب الحصار على كل فئة لا تلتزم بما تلتزمه تلك الفئة ووضع الشروط و القيود حتى أدى بهم الوضع إلى التفكير أحيانا . لما رأى ابن تيمية هذا ظادرك –رحمه الله- أهمية الموقف و دعا إلى العودة بعصره إلى المدرسة السلفية .
قال رحمه الله : ( فإن من الناس من إذا اعتقد استحباب فعل و رجحانه يحافظ عليه مالا يحافظ على الواجبات , حتى يخرج به الأمر إلى الهوى و التعصب و الحمية الجاهلية كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور و غيرها فيراها شعارا لمذهبه...)[1]
و قال رحمه الله تعالى : ( و أسوأ أنواع التقليد و التعصب هو التزام مذهب معين و التسلم بكل ما يوجبه هذا المذهب و يخبر عنه )
و هذا ليس يقصد به ابن تيمية المساس ب الأئمة و ما قدموه من علم , بل هم خدموا الأمة الإسلامية بإخلاص و ليس أدل على ذلك من كتابه " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " , فقد بين فيه موقفه من الأئمة و فضلهم على الأمة و اعتذر لما وقع منهم من خطأ .
و إنما يقصد ابن تيمية بذلك متبعي المذاهب الذين غالوا في التعصب و نسبوا للمذاهب مالم يقله أئمتها , أو ما لا يوافق أصولهم قال رحمه الله : ( و هذا لأن الأئمة قد انتسب إليهم في الفروع طوائف من أهل البدع و الأهواء و المخالفين لهم في الأصول مع براءة الأئمة من أولئك الأتباع و هذا مشهور )[2]
5) مراعاة الأصول و القواعد العامة:

مما يتميز به منهج ابن تيمية –رحمه الله- ربط منهجه بالأصول و القواعد العامة و سبب كثافة العناية بهذا الجانب من ابن تيمة –مع أنه هو المنهج السليم للفقيه المجتهد- هو ما لاحظه من تفكك الأفكار و اختلاف المفهومات و الخطأ في كثير من المسائل الشرعية عند كثير ممن ينسب للعلم مع سلامة المقاصد , وهذا الاختلاف و الخطأ ناتج عن النظرة الجزيئية في الأدلة الشرعية , فعندما يتظر الفقيه في حديث معين يتناول مسألة فرعية دون استقراء للأصول و القواعد يأتي مفهومه ضيقا مما يؤدي إلى التعارض عند الفقيه بين النصوص و الأصول , و هذا ما حذر منه ابن تيمية –رحمه الله- و دعا إلى المنهجية المتكاملة , و قرر القواعد و أحيا الأصول في ثنايا المسائل , حتى أنه ألف في ذلك عدة مؤلفات منها القواعد الفقهية , و قاعدة العقد و رسالة القياس .
قال رحمه الله : ( و انظر في عموم كلام اللع –عز و جل- و رسوله لفظا و معنى حتى تعطيه حقه و أحسن ما يستدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده , فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة و جريها على الأصول الثابتة )[3]
6) 
موافقة المعقول للمنقول و شمولية النصوص للأحكام:

اهتم ابن تيمية بدور العقل في الشريعة الإسلامية , و إن العقل السليم بأفكاره و تصوراته إذا كان مبنيا على مقومات صحيحة كان ما يقرره صحيحا و هو الرابط بين تعاليم الإسلام و الموجد للحلول المناسبة لما أشكل من القضايا الإسلامية , و هذا ليس على سبيل الاستقلال ورد النصوص به , فهو يرفض هذه الفكرة التي نشأت عن بعض الفلاسفة و التي رد عليها في كتابه ( درء تعارض العقل و النقل ) قال رحمه الله : ( و دلالة القرآن على الأمور "نوعان" أحدهما : خبر الله الصادق فما أخبر الله و رسوله به , فهو حق كما أخبر الله به . و الثاني : دلالة القرآن بضرب الأمثال و بيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب , فهذه دلالة شرعية عقلية , فهي شرعية , لأن الشرع دل عليها و أرشد إليها , و عقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل و لا يقال : إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر )[4]
و قال : ( ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع و الضار في المعاش و المعاد )
و ابن تيمية يعتبر العقل وسيلة لفهم النصوص و استنباط العلل و الحكم الشرعية , و يعطيه في هذه الحالة الصفة الشرعية , يقول رحمه الله : ( و إذا أخبر الله بالشيء و دل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره و مدلولا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به , فيصير ثابتا بالسمع و العقل و كلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية )[5]
ولا يوجد معقول صريح يخالفه نص صريح , و لذا ألف رسالته (القياس) للرد على اعتقاد أن بعض النصوص أتت مخالفة للقياس .
يقول فيها : (و بالجملة فما عرفت حديثا صحيحا إلا و يمكن أن يخرج على الأصول الثابتة , وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا يخالف حديثا صحيحا كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح )
و ابن تيمية –رحمه الله- بأخذه بهذا المنهج يعطي العقل وظيفت في الستنباط و التعليل و المفهومات بشكل ملحوظ ووظيفتة هذه تعمل في إطار التعاليم الشرعية قال رحمه الله : (المقصود هنا أن النصوص شاملة لجميع الأحكام , و نحن نبين ذلك مما هو أشكل الأشياء للتنبيه به على ما سواه )[6]
ومن لوازم هذا الجانب ما أبرزه ابن تيمية في ثنايا مؤلفاته بسلامة الشريعة من التناقض و أنها متناسبة و إنما سبب التناقض هو قصر الفهم أو خطؤه .
يقول رحمه الله تعالى : ( و المقصود هنا التنبيه على إفساد من يدعي التناقض في معاني الشريعة أو ألفاظها و يزعم أن الشارع يفرق بين المتماثلين بل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بعث بالهدى و دين الحق بالحكو و العدل و الرحمة , فلا يفرق بين شيئين في الحكم إلا لافتراق صفاتهما المناسبة للفرق , و لا يسوي بين شيئين إلا لتمائلهما في الصفات المناسبة للتسوية )
7) 
التسهيل و التيسير مالم يكن مانع شرعي :

درج ابن تيمية على الاهتمام بهذا الجانب في منهجه حتى أنه كثير الاستشهاد بقواه تعالى : 
(فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا ) [7]
و هذا التيسير في مفهوم ابن تيمية بحدود ما يدركه على ضوء الأدلة الشرعية فهو لا يتجه لهذا الجانب إذا وجد دليلا في المسألة يمنع , بل يحرص على الدليل و يوضحه و يبين أهدافه , و يلتزم جانب الشدة عندما يكون جانب التيسير يدعو إلى أمر يؤول إلى بدعة أو فساد و تجده يشن حربا علمية على تلك القضية و يبين الوجه الشرعي و مفاسد تلك القضية , و هذا الجانب الذي اهتم به كثيرا إلى جانب التيسير هو أصل سد الذرائع .
و الدافع لابن تيمية للاهتمام بهذا الجانب , هو ما أملاه الشارع في الدعوة إلى التيسير و التسهيل , حيث قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( فإنما بعثتم ميسرين و لم تبعثوا معسرين ) [8] .
و أيضا ما وجد عليه بعض المذاهب الفقهية من ترجبح جانب غلط المفسدة المقتضي للحظر و لا ينظر إلى الحاجة الموجبة للإذن و التشدد في مسائل ليس عليها دليل شرعي بالمنع , و إنما هي مفهومات لبعض العمومات أو استنباطات أو مظنة للمفسدة مثل بيع المعدوم و تأجير الشجر و التسامح في أحكام العقود و الشروط – و لذا يقول رحمه الله : ( فهذا أصل عظيم في هذه المسائل و نوعها لا ينبغي أن ينظر إلى غلط المفسدة المقتضية للحظر و لا ينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب ) 
بينما نجد هذه المسائل في رأي ابن تيمية من الأمور الجائزة حسب ما تقتضيه المصلحة بناء على ما استنبطه شرعا و على العمومات الشرعية الداعية إلى التيسير و الاستناد إلى أحكام الضرورة , و لذا يقول رحمه الله : ( من استقرأ الشريعة في مواردها و مصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى (فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه )[9]

منهج ابن تيمية في الفقه
منهج ابن تيمية المعرفي
من هو ابن تيمية



سنة النشر : 1999م / 1420هـ .
حجم الكتاب عند التحميل : 9.6 ميجا بايت .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة منهج ابن تيمية في الفقه

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل منهج ابن تيمية في الفقه
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

الناشر:
مكتبة العبيكان
كتب  مكتبة العبيكان❰ ناشرين لمجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ كيف تتحدث فيصغي الصغار اليك وتضغي إليهم عندما يتحدثون ❝ ❞ الكذب فى سلوك الاطفال ❝ ❞ معجم الفصيح من اللهجات العربية وما وافق منها القراءات القرآنية ❝ ❞ منهج ابن تيمية في الفقه ❝ ❞ مفتاح النجاح ❝ ❞ المعجم في الأساليب الإسلامية والعربية ❝ ❞ الاختيار بين الاسلام والنصرانية pdf ❝ ❞ خواطر شاب 3 ❝ ❞ لا تحزن ل عائض القرنى ❝ ومن أبرز المؤلفين : ❞ مجموعة من المؤلفين ❝ ❞ أحمد ديدات ❝ ❞ عائض القرني ❝ ❞ محمد علي قطب ❝ ❞ أحمد الشقيرى ❝ ❞ محمد أديب جمران ❝ ❱.المزيد.. كتب مكتبة العبيكان
معنى اسمحكمةحروف توبيكات مزخرفة بالعربيتورتة عيد الميلادشخصيات هامة مشهورةكتب السياسة والقانونقراءة و تحميل الكتبكتب الأدبزخرفة الأسماءالطب النبويخدماتكتب اسلاميةالمساعدة بالعربيالكتب العامةبرمجة المواقعكتابة على تورتة مناسبات وأعياداصنع بنفسكتورتة عيد ميلادكتب الروايات والقصصالتنمية البشريةمعاني الأسماءSwitzerland United Kingdom United States of Americaاقتباسات ملخصات كتبمعاني الأسماءحكم قصيرةكتب الطبخ و المطبخ و الديكوركتب قصص و رواياتكتابة على تورتة الزفافكتب التاريخكتابة أسماء عالصورأسمك عالتورتهكتب للأطفال مكتبة الطفلOnline يوتيوبكتب تعلم اللغاتزخرفة توبيكاتFacebook Text Artكتابة على تورتة الخطوبةالقرآن الكريمكورسات مجانيةالكتابة عالصوركورسات اونلاين زخرفة أسامي و أسماء و حروف..كتب القانون والعلوم السياسية