❞ كتاب تاريخ المسرح فى العالم العربي القرن التاسع عشر ❝  ⏤ سيد على اسماعيل

❞ كتاب تاريخ المسرح فى العالم العربي القرن التاسع عشر ❝ ⏤ سيد على اسماعيل

عرف العالم العربي المسرح الحديث عن طريق القطر المصري في عهد نابليون بونابرت، عندما احتل مصر في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. فقد كان معه بين رجال البعثة العلمية الفرنسية اثنان من كبار الموسيقيين، يسمى أحدهما «ريجل» والثاني «فيلوت». وفي رسالة كتبها بونابرت إلى حكومة الدريكتوار يومئذٍ طلب فرقة من الممثلين. ووصلت الفرقة وبدأت التشخيص في منزل كريم بك ببولاق. وقد عثر بعض الباحثين على رسالة كتبها مسيو فيلوتو إلى الجنرال مينو وكان حينئذٍ بالإسكندرية قال له فيها: كُلفت بأمر جناب القائد العام أن أسألك بأن تبذل الجهد في مساعدتنا على إتمام مرسح التشخيص الذي تَقرر إنشاؤه هنا، فأرجوك أن ترسل إلينا كل ما عندك من الأوتار والعدد الفرنساوية.

وسُمي المرسح الأول في مصر «مرسح الجمهورية والفنون»،١ ويحفظ لنا التاريخ اسم مسرحيتين تم تمثيلهما به، وهما: رواية «الطحانين» ورواية «زايس وفلكور» أو «بونابرت في القاهرة». وقد اشترك في تشخيص المسرحية الثانية أغلب علماء فرنسا بمصر. وبعد أن غادر نابليون مصر لحق به ريجل وبقية رجاله،٢ بعد أن وضعوا اللبنة الأولى للمسرح الحديث في مصر، وفي العالم العربي. وعلى الرغم من أن تاريخ هذه اللبنة موغل في القدم، إلا أن بعض الصحف الفرنسية — التي كانت تصدر في مصر في تلك الفترة — احتفظت لنا ببعض الإشارات التي تؤرخها وتوثقها.
وكانت جريدة «كورييه دوليجيبت COURIER DE L’EGYPTE» أول جريدة حاولت الترفيه عن جنود الحملة الفرنسية في مصر؛ وذلك بنشرها إعلانات عن نوادٍ وملاهٍ اجتماعية، كي ترغبهم في الاشتراك فيها من أجل التسلية. ففي عددها الثالث عشر في عام ١٧٩٨، نشرت إعلانًا عن نادٍ للاجتماعات بالقاهرة، قالت فيه: «نظرًا لأن الفرنسيين الموجودين الآن في القاهرة، يحسون بحاجتهم إلى مكان للاجتماع، يستطيعون أن يجدوا فيه بعض الراحة خلال ليالي الشتاء الطويلة، فإن المواطن دارجيافل DARGEAVEL قد تكفل بالقيام بمشروع نادٍ خاص، يقدم لهم فيه كل ملذات المجتمع، وذلك بعد أن حصل على موافقة القائد العام. ووقع اختياره على منزل وحديقة واسعة في حي الأزبكية يستطيع الفرنسي أن يجد فيه بعض الترفيه. وربما يكون فوق ذلك وسيلة لجذب سكان البلاد ونسائهم إلى الدخول في مجتمعاتنا، وتعليمهم عن طريق غير مباشر العادات والأذواق والمُودَات الفرنسية.»٣
ولم تقتصر الجريدة على نشر هذا الإعلان فقط، بل أتبعته بإعلانات كثيرة عن وسائل الترفيه ذاتها. فنشرت إعلانًا عن جمعية للتمثيل في القاهرة تقوم يوم ٣٠ من شهر فريمير سنة ٨ جمهورية [الموافق ٢٠ / ١٢ / ١٨٠٠] بتمثيل مسرحيتين إحداهما لفولتير والأخرى لموليير. ووالتِ النشر عن حفلات هذه الجمعية في كل مناسبة لها. وكتبت ذات يوم أن المواطنين أوديفير AUDIFFERT وهانج HANNIG قاما في القاهرة بتأليف فرقة موسيقية في إحدى الصالات الجميلة الفسيحة، وتعزف الفرقة كل عشرة أيام، إلا إذا كانت ستمثل في اليوم ذاته إحدى المسرحيات؛ ففي هذه الحالة تؤجل الفرقة الموسيقية حفلتها. وواصلت الإعلان عن حفلات هذه الفرقة، ووصفت هذه الحفلات في كثير من أعدادها.٤
وفي هذا الوقت تأتي إلينا أقدم إشارة عربية عن مسرح الحملة الفرنسية، وهي ما ذكره الجبرتي في تاريخه ضمن حوادث شهر شعبان، وبالتحديد في يوم الحادي عشر منه عام ١٢١٥ﻫ [الموافق ٢٩ / ١٢ / ١٨٠٠] عندما قال: «وفيه كمل المكان الذي أنشأه بالأزبكية عند المكان المعروف بباب الهواء وهو المسمى في لغتهم بالكُمدي؛ وهو عبارة عن محل يجتمعون به كل عشر ليالٍ ليلة واحدة يتفرجون به على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، وذلك بلغتهم ولا يدخل أحد إليه إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة.»٥
وهذه الإشارة تناقلتها أكثر الكتب التي تحدثت عن تاريخ المسرح العربي، علمًا بأنها لم تتحدث عن أي شيء آخر في هذا المجال، أو تفاصيل هذه الإشارة. وبالبحث استطعنا الوصول إلى الوصف التفصيلي لحديث الجبرتي، من خلال وصف جريدة كورييه دوليجيبت عندما قالت: «أدت الفرقة المسرحية في يوم ١٠ الجاري مسرحية «فارس مدينة تيونفيل» LE DRAGON DE THIONVILLE ومسرحية «الأصم» LE SOURD، ويعتزم القائد العام توسيع قاعة المسرح لكي تستوعب ضعف عدد المتفرجين الذين يمكن أن تستوعبهم الآن. وإذا كان لدينا متسعًا فائضًا على صفحات هذه الجريدة كنا قد تكلمنا في العدد رقم ٥٠ منها عن سلامة ذوق المواطن «فوفى» FAUVY الضابط في سلاح المهندسين، والجهود التي بذلها في زخرفة هذه القاعة الجميلة.»٦
وتتوالى إشارات جريدة كورييه، حتى تصل إلى وصف تفصيلي لإحدى المسرحيات الممثلة، قائلة: «أدت الفرقة المسرحية في يوم ٢٥ مسرحية «المحامي باتلان والطحانين» L’AVOCAT PATELIN ET LES DEUX MEUNIERS وهي أوبرا صغيرة حديثة ألفت في مصر. كلمات المواطن «بالزاك» BALZAC عضو لجنة الفنون. الموسيقى للمواطن «ريجيل» RIGEL عضو المجمع. التمثيلية عبارة عن فهم خاطئ يستغله منافس لبث الخلاف بين عشيقين وينتهي أمرها برد ابنة أحد الطحانين إلى شاب في مستوى والدها مع القضاء على آمال موثق عجوز يهيم بحبها. إن في هذه التمثيلية شيئًا من السذاجة في انتصار الحب البريء والعودة إلى المساواة. لقد أعجب الحاضرون بالموسيقى كثيرًا لأن ألحانها عذبة وذوقها جميل. وفي اعتقادنا أن المؤلف الذي أنتج للمرة الأولى مسرحيات من هذا النوع سوف يرضي الجمهور بمواهبه ويعوضه عن أب كان مشهورًا ومذهلًا بحق … لقد شهد هذه المسرحية عدد كبير من الوجهاء والأتراك في القاهرة، كما شاهدها كثير من المسيحيين والسيدات الأوروبيات.»٧
وإذا كانت إشارة الجبرتي، تعد أول إشارة لعربي تحدث عن المسرح الفرنسي وهو في مصر، فإن ما ذكره الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، في فترة تواجده في فرنسا (١٨٢٦–١٨٣١)، يعد الإشارة الثانية لكاتب عربي تحدث عن المسرح الفرنسي أيضًا، ولكن وهو في فرنسا. ويجب علينا أن نقر بأن الطهطاوي، هو أول عربي تحدث عن تفصيلات المسرح الغربي، قبل أن يتحدث عنها الرائد الأول للمسرح العربي «مارون النقاش» في كتابه «أرزة لبنان». فالطهطاوي تحدث عن شكل المسارح بما فيها من إضاءة وبنوارات، ومكان الأوركستر والكواليس ووظيفتها، وأيضًا خشبة المسرح والديكور وكيفية تغيير المناظر حسب الموضوع المُمثَّل، وكذلك عن الإعلان المسرحي ووظيفته، وأخيرًا عن أنواع التمثيل وبالأخص البانتومايم.

يقول الطهطاوي في كتابه تحت عنوان «في متنزهات مدينة باريس»: «… فمن مجالس الملاهي عندهم مَحَالٌّ تُسمَّى «التياتر» و«السبكتاكل» وهي يلعب فيها تقليد سائر ما وقع. وفي الحقيقة إن هذه الألعاب هي جِد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبرًا عجيبة. وذلك لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى، وذم الثانية، حتى إن الفرنساوية يقولون: إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها، فهي وإن كانت مشتملة على المضحكات، فكم فيها من المبكيات … وصورة هذه «التياترات» أنها بيوت عظيمة لها قبة عظيمة، وفيها عدة أدوار كل دور له «أود» [بنوارات] موضوعة حول القبة من داخله. وفي جانب من البيت مقعد متسع [خشبة المسرح] يُطَلُّ عليه من سائر هذه «الأود» بحيث إن سائر ما يقع فيه يراه من هو في داخل البيت، وهو منور «بالنجفات» العظيمة. وتحت ذلك المقعد محل للآلاتية [الأوركستر]، وذلك المقعد يتصل بأروقة [الكواليس] فيها سائر آلات اللعب، وسائر ما يصنع من الأشياء التي تظهر، وسائر النساء والرجال المُعَدَّة للعب، ثم إنهم يصنعون ذلك المقعد كما تقتضيه اللعبة، فإذا أرادوا تقليد سلطان مثلًا في سائر ما وقع منه، وضعوا ذلك المقعد على شكل «سراية» [الديكور] وصوروا ذاته، وأنشدوا أشعاره، وهلم جرًّا. ومدة تجهيز المقعد يرخون الستارة [فترة الاستراحة] لتمنع الحاضرين من النظر، ثم يرفعونها ويبتدئون باللعب. ثم إن النساء اللاعبات والرجال يشبهون العوالم في مصر [الراقصات] … ومن العجائب أنهم في اللعب يقولون مسائل من العلوم الغريبة والمسائل المشكلة ويتعمقون في ذلك وقت اللعب، حتى يظن أنهم من العلماء … واللعبة التي تظهر تكتب في ورق [الإعلان] وتلصق في حيطان المدينة، وتكتب في التذاكر اليومية ليعرفها الخاص والعام … وبالجملة فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة، يتعلم فيها العالم والجاهل. وأعظم «السبكتاكلات» في مدينة باريس المسماة «الأوبره» وفيها أعظم الآلاتية وأهل الرقص، وفيها الغناء على الآلات والرقص بإشارات كإشارات الأخرس [البانتومايم]، تدل على أمور عجيبة، ومنها «تياتر» تسمى: كوميك فيغنى فيها الأشعار المفرحة. وبها «تياتر» تسمى: «التياتر الطليانية» وبها أعظم «الآلاتية»، وفيها تنشد الأشعار المنظومة باللغة الطليانية.»٨
(٢) أقوال الرحالة
ومن البدايات المسرحية في العالم العربي، من خلال مصر أيضًا، أقوال الرحالة،٩ وأهمهم على الإطلاق إدوارد وليم لين، الذي رصد لنا أول مسرحية، بصورة تفصيلية لفرقة المحبظاتية. وأهمية هذه الإشارة ترجع إلى أنها أول نص لمضمون مسرحية منشور من قِبل لين في كتابه «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم» فيما بين عامي (١٨٣٥–١٨٣٨).
يقول إدوارد وليم لين: «يُسَرُّ المصريون كثيرًا بالعروض التي يقدمها المحبظون؛ وهم مهرجو المهازل المبتذلة. ويؤدي هؤلاء مهازلهم عامة خلال الاحتفالات التي تشبه الأعراس وحفلات الختان في منازل كبار القوم … ويقتصر الممثلون على الصبية والرجال، أما المرأة فيقوم بدورها رجل أو صبي متنكرًا في زيها. وسأعرض للقارئ نموذجًا عن أحد عروضهم التي قدموها أمام الباشا منذ فترة وجيزة خلال احتفال أقامه بمناسبة ختن أحد أولاده … واقتصرت شخصيات المسرحية على الناظر وشيخ البلد وخادمه وكاتب قبطي وفلاح مَدين للحكومة وزوجته وخمسة أشخاص آخرين، مثَّل اثنان منهما دور طبالين وثالث عازف مزمار وظهر الاثنان الباقيان في دور راقصين.

دخل الناظر وعازف المزمار حلبة التمثيل بعد أن مهد لدخولهما هؤلاء الخمسة بتطبيلهم وتزميرهم ورقصهم. وسأل الناظر: «كم يبلغ دَين عوض بن رجب؟» فأجابه الخمسة الذين يمثلون دور الفلاحين البسطاء: «اطلب من النصراني أن ينظر في سجله.» وكان الكاتب النصراني متمنطقًا «دواية» كبيرة ومرتديًا ثيابَ قبطي ومعتمرًا عمامة سوداء، فسأله شيخ البلد: «كم هو المبلغ المكتوب ضد عوض بن رجب؟» فأجابه الكاتب: «ألف قرش.» فعاد الشيخ يسأله: «وكم دفع حتى الآن؟» فرد عليه الكاتب: «خمسة قروش.» فالْتَفت الشيخ إلى الفلاح قائلًا: «لِمَ لا تُحضر المال يا رجل؟» فيجيبه الفلاح: «لا أملك قرشًا منه.» فتعجب الشيخ: «لا تملك قرشًا واحدًا! اطرحوه أرضًا.» فطرحوه وأحضروا قطعة أحشاء منتفخة تشبه كرباجًا كبيرًا وانهالوا يضربون الفلاح ضربًا مبرحًا. فراح يصيح بالناظر بصوت متهدج: «وشرف ذيل الحصان يا بيه! وشرف سروال زوجتك يا بيه! وشرف عصبة زوجتك يا بيه!» ولكن استنجاده ذهب أدراج الرياح، فضُرب طوال عشرين دقيقة ثم زُج به في السجن.

ثم ننتقل إلى مشهد الفلاح وزوجته التي أتت لزيارته تسأله: «كيف حالك؟» فيجيبها المسكين: «اعملي معروفًا وخذي كشكًا وبيضًا وشعيرية إلى منزل الكاتب النصراني واستدرِّي عطفه علَّه يطلق سراحي.» فأخذت الزوجة الأغراض في ثلاث سلات إلى منزل الكاتب، وسألت بعضهم: «أين هو المعلم حنا؟» فأتاها الجواب: «يجلس هناك.» فتوجهت إليه، وقالت له: «يا معلم حنا! أرجو أن تقبل مني هذه الهدية وتفك أسر زوجي.»

– ومن هو زوجك؟

– الفلاح المَدين بألف قرش.

– أحضري عشرين أو ثلاثين قرشًا، وادفعيها رشوةً إلى شيخ البلد. فانصرفت المسكينة وعادت إلى شيخ البلد ومعها المال المطلوب. فسألها الشيخ: ما هذا؟

– خذها رشوة وفُكَّ قيدَ زوجي.

– حسنًا، اذهبي إلى الناظر.

فخرجت ورسمت جفونها بشيء من الكحل وحنَّت يديها بالحناء الحمراء، وانطلقت إلى الناظر. وألقت عليه التحية قائلة: عِمْتَ مساءً يا سيدي.

– ماذا تريدين؟

– أنا زوجة عوض المَدين بألف قرش.

– وماذا تريدين؟

– زوجي في السجن وأتوسل إليك لتطلق سراحه.

وراحت توزع ابتساماتها بينما كانت تتحدث إلى الناظر حتى تُظهر له أنها لا تسأله هذه الخدمة دون أن تمنحه مقابلها مكافأة. وحصل الناظر بالفعل على مكافأته وحصلت هي على حرية زوجها. وقد مثَّل هؤلاء الخمسة هذه المسرحية أمام الباشا حتى يتنبه لمسلك المسئولين عن جمع الضرائب.»١٠
(٣) الوثائق
ومن الوثائق المهمة التي بين أيدينا، وثيقتان في عهد سعيد باشا، تتحدثان عن بدايات الفن المسرحي في مصر والعالم العربي. الأولى في ٢٨ / ١ / ١٨٥٨، وهي تتحدث عن وليمة ستقام في القلعة بأمر سعيد باشا، وكانت المعية السنية قد طلبت من «كنيك بك» أن يحضر فرقة تشخيصية للقيام ببعض التمثيل البهلواني لضيوف هذه الوليمة. والوثيقة الثانية كانت في ٢ / ٢ / ١٨٥٨، وفيها نجد أمرًا من المعية السنية إلى كنيك بك بمنع حضور المشخصين؛ لأن الحفلة اقترب موعدها، هذا بالإضافة إلى أنها ليست من الفخامة بمكان.١١ ومثل هذه الوثائق تؤكد بشكل قاطع أن القصور الخديوية كانت تحضر إليها الفرق التمثيلية، قبل أن يتوسع في هذا الأمر الخديو إسماعيل، كما هو معروف.
١ وعن هذا المسرح يقول محمد سيد كيلاني في كتابه «في ربوع الأزبكية»، دار العرب للبستاني، ط١، ١٩٥٨، ص١٠٨: «أنشأ نابليون مسرحًا ضخمًا بوجه البركة مُثِّلت فيه الروايات باللغة الفرنسية؛ ترفيهًا عن الجنود وتسلية لهم. ولكن هذا المسرح دُمر خلال ثورة سنة ١٧٩٩، فأعاد الجنرال مينو بناءه من جديد، وأطلق عليه «مسرح الجمهورية» وكان موقعه بالقرب من شارع غيط النوبي الآن.»
٢
سيد على اسماعيل - سيد علي إسماعيل
أ.د. سيد علي إسماعيل: كاتبٌ مصري مُتخصِّص في الأدب المسرحي وأستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة حلوان. نُشِر له العديد من الإسهامات عن المسرح وتاريخه؛ ممَّا جعله من أهم الكُتَّاب المعاصرين الذين اهتموا بالمسرح باعتباره واحدًا من أهم الفنون الحديثة.

وُلِد «سيد علي إسماعيل علي» في القاهرة عامَ ١٩٦٢م، وحصل على ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب جامعة عين شمس، ثم الماجستير عن موضوع: «دور المرأة في مسرح توفيق الحكيم»، والدكتوراه عن موضوع: «أثر التراث العربي في المسرح المصري المعاصر»، ليلتحق بالسلك الأكاديمي لتدريس الأدب في الجامعات المصرية، حتى وصل إلى منصب رئيس قسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم جامعة المنيا، وتم انتدابه في المركز القومي للمسرح وفي عدة جامعات عربية.

تخصص إسماعيل في الأدب العربي الحديث، وخصوصًا في فرع المسرح، وبدأ في نشر مُؤلَّفاته التي تتناول المسرح العربي بدايةً من عام ١٩٩٦م، ليستمر إلى الآن في الكتابة المُكثَّفة ما بين الكتب العِلمية المطبوعة والكتب النقدية والتوثيقية والمقالات المنفصلة التي تتناول جميعَ أوجه المسرح في الفترات الزمنية المتعاقِبة منذ نشأته، مرورًا بالأجيال المسرحية الرائدة وحتى العصر الحديث، بالإضافة إلى المسارح التي أثَّرتْ في المسرح العربي وأثَّر فيها. وقد اهتمَّ إسماعيل بشكل خاص بأن يُفرِد الكتبَ في المواضيع المَنسِيَّة من ذاكرة المسرح العربي، التي لم يَستَفِضْ فيها الكثير من المؤلِّفين ونقاد المسرح؛ فقد تناوَل في أبحاثه المسرحَ في القرن التاسع عشر، ونفض الغبارَ عن نصوصٍ مَسرحيةٍ نادرة صَعُب على الباحثين وعشَّاق المسرح الوصول إليها.

كما يتكرر حلول الدكتور «سيد علي إسماعيل» عضوًا بارزًا بالعديد من اللجان التحكيمية المسرحية والدراسات العليا، وبصفة رسمية في المهرجانات المسرحية العربية، ولجان تطوير التعليم الأكاديمي، وضيفًا في العديد من البرامج الثقافية والأدبية التلفزيونية والإذاعية، ومُحاضِرًا في الدورات التدريبية والندوات التثقيفية بمعارض الكتاب والمراكز الثقافية، وقد حصل على العديد من دروع التكريم وشهادات التقدير من مؤسسات ثقافية وأكاديمية عربية.

وهو يجمع في كتاباته بين استخدامات الأساليب العلمية في التحليل والرصد والتدقيق، بالإضافة إلى الأسلوب المُبسَّط ليصل القارئ إلى المعلومة بسهولة ويُسْر، كما أنه يؤمن بالعمل الجماعي كطريقةٍ لتدريس الأدب، ويحرص على استخدام الوسائل الحديثة في التعليم.❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ تاريخ المسرح فى العالم العربي القرن التاسع عشر ❝ الناشرين : ❞ مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ❝ ❱
من النثر العربى - مكتبة الكتب و الموسوعات العامة.

نُبذة عن الكتاب:
تاريخ المسرح فى العالم العربي القرن التاسع عشر

عرف العالم العربي المسرح الحديث عن طريق القطر المصري في عهد نابليون بونابرت، عندما احتل مصر في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. فقد كان معه بين رجال البعثة العلمية الفرنسية اثنان من كبار الموسيقيين، يسمى أحدهما «ريجل» والثاني «فيلوت». وفي رسالة كتبها بونابرت إلى حكومة الدريكتوار يومئذٍ طلب فرقة من الممثلين. ووصلت الفرقة وبدأت التشخيص في منزل كريم بك ببولاق. وقد عثر بعض الباحثين على رسالة كتبها مسيو فيلوتو إلى الجنرال مينو وكان حينئذٍ بالإسكندرية قال له فيها: كُلفت بأمر جناب القائد العام أن أسألك بأن تبذل الجهد في مساعدتنا على إتمام مرسح التشخيص الذي تَقرر إنشاؤه هنا، فأرجوك أن ترسل إلينا كل ما عندك من الأوتار والعدد الفرنساوية.

وسُمي المرسح الأول في مصر «مرسح الجمهورية والفنون»،١ ويحفظ لنا التاريخ اسم مسرحيتين تم تمثيلهما به، وهما: رواية «الطحانين» ورواية «زايس وفلكور» أو «بونابرت في القاهرة». وقد اشترك في تشخيص المسرحية الثانية أغلب علماء فرنسا بمصر. وبعد أن غادر نابليون مصر لحق به ريجل وبقية رجاله،٢ بعد أن وضعوا اللبنة الأولى للمسرح الحديث في مصر، وفي العالم العربي. وعلى الرغم من أن تاريخ هذه اللبنة موغل في القدم، إلا أن بعض الصحف الفرنسية — التي كانت تصدر في مصر في تلك الفترة — احتفظت لنا ببعض الإشارات التي تؤرخها وتوثقها.
وكانت جريدة «كورييه دوليجيبت COURIER DE L’EGYPTE» أول جريدة حاولت الترفيه عن جنود الحملة الفرنسية في مصر؛ وذلك بنشرها إعلانات عن نوادٍ وملاهٍ اجتماعية، كي ترغبهم في الاشتراك فيها من أجل التسلية. ففي عددها الثالث عشر في عام ١٧٩٨، نشرت إعلانًا عن نادٍ للاجتماعات بالقاهرة، قالت فيه: «نظرًا لأن الفرنسيين الموجودين الآن في القاهرة، يحسون بحاجتهم إلى مكان للاجتماع، يستطيعون أن يجدوا فيه بعض الراحة خلال ليالي الشتاء الطويلة، فإن المواطن دارجيافل DARGEAVEL قد تكفل بالقيام بمشروع نادٍ خاص، يقدم لهم فيه كل ملذات المجتمع، وذلك بعد أن حصل على موافقة القائد العام. ووقع اختياره على منزل وحديقة واسعة في حي الأزبكية يستطيع الفرنسي أن يجد فيه بعض الترفيه. وربما يكون فوق ذلك وسيلة لجذب سكان البلاد ونسائهم إلى الدخول في مجتمعاتنا، وتعليمهم عن طريق غير مباشر العادات والأذواق والمُودَات الفرنسية.»٣
ولم تقتصر الجريدة على نشر هذا الإعلان فقط، بل أتبعته بإعلانات كثيرة عن وسائل الترفيه ذاتها. فنشرت إعلانًا عن جمعية للتمثيل في القاهرة تقوم يوم ٣٠ من شهر فريمير سنة ٨ جمهورية [الموافق ٢٠ / ١٢ / ١٨٠٠] بتمثيل مسرحيتين إحداهما لفولتير والأخرى لموليير. ووالتِ النشر عن حفلات هذه الجمعية في كل مناسبة لها. وكتبت ذات يوم أن المواطنين أوديفير AUDIFFERT وهانج HANNIG قاما في القاهرة بتأليف فرقة موسيقية في إحدى الصالات الجميلة الفسيحة، وتعزف الفرقة كل عشرة أيام، إلا إذا كانت ستمثل في اليوم ذاته إحدى المسرحيات؛ ففي هذه الحالة تؤجل الفرقة الموسيقية حفلتها. وواصلت الإعلان عن حفلات هذه الفرقة، ووصفت هذه الحفلات في كثير من أعدادها.٤
وفي هذا الوقت تأتي إلينا أقدم إشارة عربية عن مسرح الحملة الفرنسية، وهي ما ذكره الجبرتي في تاريخه ضمن حوادث شهر شعبان، وبالتحديد في يوم الحادي عشر منه عام ١٢١٥ﻫ [الموافق ٢٩ / ١٢ / ١٨٠٠] عندما قال: «وفيه كمل المكان الذي أنشأه بالأزبكية عند المكان المعروف بباب الهواء وهو المسمى في لغتهم بالكُمدي؛ وهو عبارة عن محل يجتمعون به كل عشر ليالٍ ليلة واحدة يتفرجون به على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، وذلك بلغتهم ولا يدخل أحد إليه إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة.»٥
وهذه الإشارة تناقلتها أكثر الكتب التي تحدثت عن تاريخ المسرح العربي، علمًا بأنها لم تتحدث عن أي شيء آخر في هذا المجال، أو تفاصيل هذه الإشارة. وبالبحث استطعنا الوصول إلى الوصف التفصيلي لحديث الجبرتي، من خلال وصف جريدة كورييه دوليجيبت عندما قالت: «أدت الفرقة المسرحية في يوم ١٠ الجاري مسرحية «فارس مدينة تيونفيل» LE DRAGON DE THIONVILLE ومسرحية «الأصم» LE SOURD، ويعتزم القائد العام توسيع قاعة المسرح لكي تستوعب ضعف عدد المتفرجين الذين يمكن أن تستوعبهم الآن. وإذا كان لدينا متسعًا فائضًا على صفحات هذه الجريدة كنا قد تكلمنا في العدد رقم ٥٠ منها عن سلامة ذوق المواطن «فوفى» FAUVY الضابط في سلاح المهندسين، والجهود التي بذلها في زخرفة هذه القاعة الجميلة.»٦
وتتوالى إشارات جريدة كورييه، حتى تصل إلى وصف تفصيلي لإحدى المسرحيات الممثلة، قائلة: «أدت الفرقة المسرحية في يوم ٢٥ مسرحية «المحامي باتلان والطحانين» L’AVOCAT PATELIN ET LES DEUX MEUNIERS وهي أوبرا صغيرة حديثة ألفت في مصر. كلمات المواطن «بالزاك» BALZAC عضو لجنة الفنون. الموسيقى للمواطن «ريجيل» RIGEL عضو المجمع. التمثيلية عبارة عن فهم خاطئ يستغله منافس لبث الخلاف بين عشيقين وينتهي أمرها برد ابنة أحد الطحانين إلى شاب في مستوى والدها مع القضاء على آمال موثق عجوز يهيم بحبها. إن في هذه التمثيلية شيئًا من السذاجة في انتصار الحب البريء والعودة إلى المساواة. لقد أعجب الحاضرون بالموسيقى كثيرًا لأن ألحانها عذبة وذوقها جميل. وفي اعتقادنا أن المؤلف الذي أنتج للمرة الأولى مسرحيات من هذا النوع سوف يرضي الجمهور بمواهبه ويعوضه عن أب كان مشهورًا ومذهلًا بحق … لقد شهد هذه المسرحية عدد كبير من الوجهاء والأتراك في القاهرة، كما شاهدها كثير من المسيحيين والسيدات الأوروبيات.»٧
وإذا كانت إشارة الجبرتي، تعد أول إشارة لعربي تحدث عن المسرح الفرنسي وهو في مصر، فإن ما ذكره الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، في فترة تواجده في فرنسا (١٨٢٦–١٨٣١)، يعد الإشارة الثانية لكاتب عربي تحدث عن المسرح الفرنسي أيضًا، ولكن وهو في فرنسا. ويجب علينا أن نقر بأن الطهطاوي، هو أول عربي تحدث عن تفصيلات المسرح الغربي، قبل أن يتحدث عنها الرائد الأول للمسرح العربي «مارون النقاش» في كتابه «أرزة لبنان». فالطهطاوي تحدث عن شكل المسارح بما فيها من إضاءة وبنوارات، ومكان الأوركستر والكواليس ووظيفتها، وأيضًا خشبة المسرح والديكور وكيفية تغيير المناظر حسب الموضوع المُمثَّل، وكذلك عن الإعلان المسرحي ووظيفته، وأخيرًا عن أنواع التمثيل وبالأخص البانتومايم.

يقول الطهطاوي في كتابه تحت عنوان «في متنزهات مدينة باريس»: «… فمن مجالس الملاهي عندهم مَحَالٌّ تُسمَّى «التياتر» و«السبكتاكل» وهي يلعب فيها تقليد سائر ما وقع. وفي الحقيقة إن هذه الألعاب هي جِد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبرًا عجيبة. وذلك لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى، وذم الثانية، حتى إن الفرنساوية يقولون: إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها، فهي وإن كانت مشتملة على المضحكات، فكم فيها من المبكيات … وصورة هذه «التياترات» أنها بيوت عظيمة لها قبة عظيمة، وفيها عدة أدوار كل دور له «أود» [بنوارات] موضوعة حول القبة من داخله. وفي جانب من البيت مقعد متسع [خشبة المسرح] يُطَلُّ عليه من سائر هذه «الأود» بحيث إن سائر ما يقع فيه يراه من هو في داخل البيت، وهو منور «بالنجفات» العظيمة. وتحت ذلك المقعد محل للآلاتية [الأوركستر]، وذلك المقعد يتصل بأروقة [الكواليس] فيها سائر آلات اللعب، وسائر ما يصنع من الأشياء التي تظهر، وسائر النساء والرجال المُعَدَّة للعب، ثم إنهم يصنعون ذلك المقعد كما تقتضيه اللعبة، فإذا أرادوا تقليد سلطان مثلًا في سائر ما وقع منه، وضعوا ذلك المقعد على شكل «سراية» [الديكور] وصوروا ذاته، وأنشدوا أشعاره، وهلم جرًّا. ومدة تجهيز المقعد يرخون الستارة [فترة الاستراحة] لتمنع الحاضرين من النظر، ثم يرفعونها ويبتدئون باللعب. ثم إن النساء اللاعبات والرجال يشبهون العوالم في مصر [الراقصات] … ومن العجائب أنهم في اللعب يقولون مسائل من العلوم الغريبة والمسائل المشكلة ويتعمقون في ذلك وقت اللعب، حتى يظن أنهم من العلماء … واللعبة التي تظهر تكتب في ورق [الإعلان] وتلصق في حيطان المدينة، وتكتب في التذاكر اليومية ليعرفها الخاص والعام … وبالجملة فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة، يتعلم فيها العالم والجاهل. وأعظم «السبكتاكلات» في مدينة باريس المسماة «الأوبره» وفيها أعظم الآلاتية وأهل الرقص، وفيها الغناء على الآلات والرقص بإشارات كإشارات الأخرس [البانتومايم]، تدل على أمور عجيبة، ومنها «تياتر» تسمى: كوميك فيغنى فيها الأشعار المفرحة. وبها «تياتر» تسمى: «التياتر الطليانية» وبها أعظم «الآلاتية»، وفيها تنشد الأشعار المنظومة باللغة الطليانية.»٨
(٢) أقوال الرحالة
ومن البدايات المسرحية في العالم العربي، من خلال مصر أيضًا، أقوال الرحالة،٩ وأهمهم على الإطلاق إدوارد وليم لين، الذي رصد لنا أول مسرحية، بصورة تفصيلية لفرقة المحبظاتية. وأهمية هذه الإشارة ترجع إلى أنها أول نص لمضمون مسرحية منشور من قِبل لين في كتابه «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم» فيما بين عامي (١٨٣٥–١٨٣٨).
يقول إدوارد وليم لين: «يُسَرُّ المصريون كثيرًا بالعروض التي يقدمها المحبظون؛ وهم مهرجو المهازل المبتذلة. ويؤدي هؤلاء مهازلهم عامة خلال الاحتفالات التي تشبه الأعراس وحفلات الختان في منازل كبار القوم … ويقتصر الممثلون على الصبية والرجال، أما المرأة فيقوم بدورها رجل أو صبي متنكرًا في زيها. وسأعرض للقارئ نموذجًا عن أحد عروضهم التي قدموها أمام الباشا منذ فترة وجيزة خلال احتفال أقامه بمناسبة ختن أحد أولاده … واقتصرت شخصيات المسرحية على الناظر وشيخ البلد وخادمه وكاتب قبطي وفلاح مَدين للحكومة وزوجته وخمسة أشخاص آخرين، مثَّل اثنان منهما دور طبالين وثالث عازف مزمار وظهر الاثنان الباقيان في دور راقصين.

دخل الناظر وعازف المزمار حلبة التمثيل بعد أن مهد لدخولهما هؤلاء الخمسة بتطبيلهم وتزميرهم ورقصهم. وسأل الناظر: «كم يبلغ دَين عوض بن رجب؟» فأجابه الخمسة الذين يمثلون دور الفلاحين البسطاء: «اطلب من النصراني أن ينظر في سجله.» وكان الكاتب النصراني متمنطقًا «دواية» كبيرة ومرتديًا ثيابَ قبطي ومعتمرًا عمامة سوداء، فسأله شيخ البلد: «كم هو المبلغ المكتوب ضد عوض بن رجب؟» فأجابه الكاتب: «ألف قرش.» فعاد الشيخ يسأله: «وكم دفع حتى الآن؟» فرد عليه الكاتب: «خمسة قروش.» فالْتَفت الشيخ إلى الفلاح قائلًا: «لِمَ لا تُحضر المال يا رجل؟» فيجيبه الفلاح: «لا أملك قرشًا منه.» فتعجب الشيخ: «لا تملك قرشًا واحدًا! اطرحوه أرضًا.» فطرحوه وأحضروا قطعة أحشاء منتفخة تشبه كرباجًا كبيرًا وانهالوا يضربون الفلاح ضربًا مبرحًا. فراح يصيح بالناظر بصوت متهدج: «وشرف ذيل الحصان يا بيه! وشرف سروال زوجتك يا بيه! وشرف عصبة زوجتك يا بيه!» ولكن استنجاده ذهب أدراج الرياح، فضُرب طوال عشرين دقيقة ثم زُج به في السجن.

ثم ننتقل إلى مشهد الفلاح وزوجته التي أتت لزيارته تسأله: «كيف حالك؟» فيجيبها المسكين: «اعملي معروفًا وخذي كشكًا وبيضًا وشعيرية إلى منزل الكاتب النصراني واستدرِّي عطفه علَّه يطلق سراحي.» فأخذت الزوجة الأغراض في ثلاث سلات إلى منزل الكاتب، وسألت بعضهم: «أين هو المعلم حنا؟» فأتاها الجواب: «يجلس هناك.» فتوجهت إليه، وقالت له: «يا معلم حنا! أرجو أن تقبل مني هذه الهدية وتفك أسر زوجي.»

– ومن هو زوجك؟

– الفلاح المَدين بألف قرش.

– أحضري عشرين أو ثلاثين قرشًا، وادفعيها رشوةً إلى شيخ البلد. فانصرفت المسكينة وعادت إلى شيخ البلد ومعها المال المطلوب. فسألها الشيخ: ما هذا؟

– خذها رشوة وفُكَّ قيدَ زوجي.

– حسنًا، اذهبي إلى الناظر.

فخرجت ورسمت جفونها بشيء من الكحل وحنَّت يديها بالحناء الحمراء، وانطلقت إلى الناظر. وألقت عليه التحية قائلة: عِمْتَ مساءً يا سيدي.

– ماذا تريدين؟

– أنا زوجة عوض المَدين بألف قرش.

– وماذا تريدين؟

– زوجي في السجن وأتوسل إليك لتطلق سراحه.

وراحت توزع ابتساماتها بينما كانت تتحدث إلى الناظر حتى تُظهر له أنها لا تسأله هذه الخدمة دون أن تمنحه مقابلها مكافأة. وحصل الناظر بالفعل على مكافأته وحصلت هي على حرية زوجها. وقد مثَّل هؤلاء الخمسة هذه المسرحية أمام الباشا حتى يتنبه لمسلك المسئولين عن جمع الضرائب.»١٠
(٣) الوثائق
ومن الوثائق المهمة التي بين أيدينا، وثيقتان في عهد سعيد باشا، تتحدثان عن بدايات الفن المسرحي في مصر والعالم العربي. الأولى في ٢٨ / ١ / ١٨٥٨، وهي تتحدث عن وليمة ستقام في القلعة بأمر سعيد باشا، وكانت المعية السنية قد طلبت من «كنيك بك» أن يحضر فرقة تشخيصية للقيام ببعض التمثيل البهلواني لضيوف هذه الوليمة. والوثيقة الثانية كانت في ٢ / ٢ / ١٨٥٨، وفيها نجد أمرًا من المعية السنية إلى كنيك بك بمنع حضور المشخصين؛ لأن الحفلة اقترب موعدها، هذا بالإضافة إلى أنها ليست من الفخامة بمكان.١١ ومثل هذه الوثائق تؤكد بشكل قاطع أن القصور الخديوية كانت تحضر إليها الفرق التمثيلية، قبل أن يتوسع في هذا الأمر الخديو إسماعيل، كما هو معروف.
١ وعن هذا المسرح يقول محمد سيد كيلاني في كتابه «في ربوع الأزبكية»، دار العرب للبستاني، ط١، ١٩٥٨، ص١٠٨: «أنشأ نابليون مسرحًا ضخمًا بوجه البركة مُثِّلت فيه الروايات باللغة الفرنسية؛ ترفيهًا عن الجنود وتسلية لهم. ولكن هذا المسرح دُمر خلال ثورة سنة ١٧٩٩، فأعاد الجنرال مينو بناءه من جديد، وأطلق عليه «مسرح الجمهورية» وكان موقعه بالقرب من شارع غيط النوبي الآن.»
٢ .
المزيد..

تعليقات القرّاء:

عرف العالم العربي المسرح الحديث عن طريق القطر المصري في عهد نابليون بونابرت، عندما احتل مصر في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. فقد كان معه بين رجال البعثة العلمية الفرنسية اثنان من كبار الموسيقيين، يسمى أحدهما «ريجل» والثاني «فيلوت». وفي رسالة كتبها بونابرت إلى حكومة الدريكتوار يومئذٍ طلب فرقة من الممثلين. ووصلت الفرقة وبدأت التشخيص في منزل كريم بك ببولاق. وقد عثر بعض الباحثين على رسالة كتبها مسيو فيلوتو إلى الجنرال مينو وكان حينئذٍ بالإسكندرية قال له فيها: كُلفت بأمر جناب القائد العام أن أسألك بأن تبذل الجهد في مساعدتنا على إتمام مرسح التشخيص الذي تَقرر إنشاؤه هنا، فأرجوك أن ترسل إلينا كل ما عندك من الأوتار والعدد الفرنساوية.

وسُمي المرسح الأول في مصر «مرسح الجمهورية والفنون»،١ ويحفظ لنا التاريخ اسم مسرحيتين تم تمثيلهما به، وهما: رواية «الطحانين» ورواية «زايس وفلكور» أو «بونابرت في القاهرة». وقد اشترك في تشخيص المسرحية الثانية أغلب علماء فرنسا بمصر. وبعد أن غادر نابليون مصر لحق به ريجل وبقية رجاله،٢ بعد أن وضعوا اللبنة الأولى للمسرح الحديث في مصر، وفي العالم العربي. وعلى الرغم من أن تاريخ هذه اللبنة موغل في القدم، إلا أن بعض الصحف الفرنسية — التي كانت تصدر في مصر في تلك الفترة — احتفظت لنا ببعض الإشارات التي تؤرخها وتوثقها.
وكانت جريدة «كورييه دوليجيبت COURIER DE L’EGYPTE» أول جريدة حاولت الترفيه عن جنود الحملة الفرنسية في مصر؛ وذلك بنشرها إعلانات عن نوادٍ وملاهٍ اجتماعية، كي ترغبهم في الاشتراك فيها من أجل التسلية. ففي عددها الثالث عشر في عام ١٧٩٨، نشرت إعلانًا عن نادٍ للاجتماعات بالقاهرة، قالت فيه: «نظرًا لأن الفرنسيين الموجودين الآن في القاهرة، يحسون بحاجتهم إلى مكان للاجتماع، يستطيعون أن يجدوا فيه بعض الراحة خلال ليالي الشتاء الطويلة، فإن المواطن دارجيافل DARGEAVEL قد تكفل بالقيام بمشروع نادٍ خاص، يقدم لهم فيه كل ملذات المجتمع، وذلك بعد أن حصل على موافقة القائد العام. ووقع اختياره على منزل وحديقة واسعة في حي الأزبكية يستطيع الفرنسي أن يجد فيه بعض الترفيه. وربما يكون فوق ذلك وسيلة لجذب سكان البلاد ونسائهم إلى الدخول في مجتمعاتنا، وتعليمهم عن طريق غير مباشر العادات والأذواق والمُودَات الفرنسية.»٣
ولم تقتصر الجريدة على نشر هذا الإعلان فقط، بل أتبعته بإعلانات كثيرة عن وسائل الترفيه ذاتها. فنشرت إعلانًا عن جمعية للتمثيل في القاهرة تقوم يوم ٣٠ من شهر فريمير سنة ٨ جمهورية [الموافق ٢٠ / ١٢ / ١٨٠٠] بتمثيل مسرحيتين إحداهما لفولتير والأخرى لموليير. ووالتِ النشر عن حفلات هذه الجمعية في كل مناسبة لها. وكتبت ذات يوم أن المواطنين أوديفير AUDIFFERT وهانج HANNIG قاما في القاهرة بتأليف فرقة موسيقية في إحدى الصالات الجميلة الفسيحة، وتعزف الفرقة كل عشرة أيام، إلا إذا كانت ستمثل في اليوم ذاته إحدى المسرحيات؛ ففي هذه الحالة تؤجل الفرقة الموسيقية حفلتها. وواصلت الإعلان عن حفلات هذه الفرقة، ووصفت هذه الحفلات في كثير من أعدادها.٤
وفي هذا الوقت تأتي إلينا أقدم إشارة عربية عن مسرح الحملة الفرنسية، وهي ما ذكره الجبرتي في تاريخه ضمن حوادث شهر شعبان، وبالتحديد في يوم الحادي عشر منه عام ١٢١٥ﻫ [الموافق ٢٩ / ١٢ / ١٨٠٠] عندما قال: «وفيه كمل المكان الذي أنشأه بالأزبكية عند المكان المعروف بباب الهواء وهو المسمى في لغتهم بالكُمدي؛ وهو عبارة عن محل يجتمعون به كل عشر ليالٍ ليلة واحدة يتفرجون به على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، وذلك بلغتهم ولا يدخل أحد إليه إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة.»٥
وهذه الإشارة تناقلتها أكثر الكتب التي تحدثت عن تاريخ المسرح العربي، علمًا بأنها لم تتحدث عن أي شيء آخر في هذا المجال، أو تفاصيل هذه الإشارة. وبالبحث استطعنا الوصول إلى الوصف التفصيلي لحديث الجبرتي، من خلال وصف جريدة كورييه دوليجيبت عندما قالت: «أدت الفرقة المسرحية في يوم ١٠ الجاري مسرحية «فارس مدينة تيونفيل» LE DRAGON DE THIONVILLE ومسرحية «الأصم» LE SOURD، ويعتزم القائد العام توسيع قاعة المسرح لكي تستوعب ضعف عدد المتفرجين الذين يمكن أن تستوعبهم الآن. وإذا كان لدينا متسعًا فائضًا على صفحات هذه الجريدة كنا قد تكلمنا في العدد رقم ٥٠ منها عن سلامة ذوق المواطن «فوفى» FAUVY الضابط في سلاح المهندسين، والجهود التي بذلها في زخرفة هذه القاعة الجميلة.»٦
وتتوالى إشارات جريدة كورييه، حتى تصل إلى وصف تفصيلي لإحدى المسرحيات الممثلة، قائلة: «أدت الفرقة المسرحية في يوم ٢٥ مسرحية «المحامي باتلان والطحانين» L’AVOCAT PATELIN ET LES DEUX MEUNIERS وهي أوبرا صغيرة حديثة ألفت في مصر. كلمات المواطن «بالزاك» BALZAC عضو لجنة الفنون. الموسيقى للمواطن «ريجيل» RIGEL عضو المجمع. التمثيلية عبارة عن فهم خاطئ يستغله منافس لبث الخلاف بين عشيقين وينتهي أمرها برد ابنة أحد الطحانين إلى شاب في مستوى والدها مع القضاء على آمال موثق عجوز يهيم بحبها. إن في هذه التمثيلية شيئًا من السذاجة في انتصار الحب البريء والعودة إلى المساواة. لقد أعجب الحاضرون بالموسيقى كثيرًا لأن ألحانها عذبة وذوقها جميل. وفي اعتقادنا أن المؤلف الذي أنتج للمرة الأولى مسرحيات من هذا النوع سوف يرضي الجمهور بمواهبه ويعوضه عن أب كان مشهورًا ومذهلًا بحق … لقد شهد هذه المسرحية عدد كبير من الوجهاء والأتراك في القاهرة، كما شاهدها كثير من المسيحيين والسيدات الأوروبيات.»٧
وإذا كانت إشارة الجبرتي، تعد أول إشارة لعربي تحدث عن المسرح الفرنسي وهو في مصر، فإن ما ذكره الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، في فترة تواجده في فرنسا (١٨٢٦–١٨٣١)، يعد الإشارة الثانية لكاتب عربي تحدث عن المسرح الفرنسي أيضًا، ولكن وهو في فرنسا. ويجب علينا أن نقر بأن الطهطاوي، هو أول عربي تحدث عن تفصيلات المسرح الغربي، قبل أن يتحدث عنها الرائد الأول للمسرح العربي «مارون النقاش» في كتابه «أرزة لبنان». فالطهطاوي تحدث عن شكل المسارح بما فيها من إضاءة وبنوارات، ومكان الأوركستر والكواليس ووظيفتها، وأيضًا خشبة المسرح والديكور وكيفية تغيير المناظر حسب الموضوع المُمثَّل، وكذلك عن الإعلان المسرحي ووظيفته، وأخيرًا عن أنواع التمثيل وبالأخص البانتومايم.

يقول الطهطاوي في كتابه تحت عنوان «في متنزهات مدينة باريس»: «… فمن مجالس الملاهي عندهم مَحَالٌّ تُسمَّى «التياتر» و«السبكتاكل» وهي يلعب فيها تقليد سائر ما وقع. وفي الحقيقة إن هذه الألعاب هي جِد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبرًا عجيبة. وذلك لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى، وذم الثانية، حتى إن الفرنساوية يقولون: إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها، فهي وإن كانت مشتملة على المضحكات، فكم فيها من المبكيات … وصورة هذه «التياترات» أنها بيوت عظيمة لها قبة عظيمة، وفيها عدة أدوار كل دور له «أود» [بنوارات] موضوعة حول القبة من داخله. وفي جانب من البيت مقعد متسع [خشبة المسرح] يُطَلُّ عليه من سائر هذه «الأود» بحيث إن سائر ما يقع فيه يراه من هو في داخل البيت، وهو منور «بالنجفات» العظيمة. وتحت ذلك المقعد محل للآلاتية [الأوركستر]، وذلك المقعد يتصل بأروقة [الكواليس] فيها سائر آلات اللعب، وسائر ما يصنع من الأشياء التي تظهر، وسائر النساء والرجال المُعَدَّة للعب، ثم إنهم يصنعون ذلك المقعد كما تقتضيه اللعبة، فإذا أرادوا تقليد سلطان مثلًا في سائر ما وقع منه، وضعوا ذلك المقعد على شكل «سراية» [الديكور] وصوروا ذاته، وأنشدوا أشعاره، وهلم جرًّا. ومدة تجهيز المقعد يرخون الستارة [فترة الاستراحة] لتمنع الحاضرين من النظر، ثم يرفعونها ويبتدئون باللعب. ثم إن النساء اللاعبات والرجال يشبهون العوالم في مصر [الراقصات] … ومن العجائب أنهم في اللعب يقولون مسائل من العلوم الغريبة والمسائل المشكلة ويتعمقون في ذلك وقت اللعب، حتى يظن أنهم من العلماء … واللعبة التي تظهر تكتب في ورق [الإعلان] وتلصق في حيطان المدينة، وتكتب في التذاكر اليومية ليعرفها الخاص والعام … وبالجملة فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة، يتعلم فيها العالم والجاهل. وأعظم «السبكتاكلات» في مدينة باريس المسماة «الأوبره» وفيها أعظم الآلاتية وأهل الرقص، وفيها الغناء على الآلات والرقص بإشارات كإشارات الأخرس [البانتومايم]، تدل على أمور عجيبة، ومنها «تياتر» تسمى: كوميك فيغنى فيها الأشعار المفرحة. وبها «تياتر» تسمى: «التياتر الطليانية» وبها أعظم «الآلاتية»، وفيها تنشد الأشعار المنظومة باللغة الطليانية.»٨
(٢) أقوال الرحالة
ومن البدايات المسرحية في العالم العربي، من خلال مصر أيضًا، أقوال الرحالة،٩ وأهمهم على الإطلاق إدوارد وليم لين، الذي رصد لنا أول مسرحية، بصورة تفصيلية لفرقة المحبظاتية. وأهمية هذه الإشارة ترجع إلى أنها أول نص لمضمون مسرحية منشور من قِبل لين في كتابه «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم» فيما بين عامي (١٨٣٥–١٨٣٨).
يقول إدوارد وليم لين: «يُسَرُّ المصريون كثيرًا بالعروض التي يقدمها المحبظون؛ وهم مهرجو المهازل المبتذلة. ويؤدي هؤلاء مهازلهم عامة خلال الاحتفالات التي تشبه الأعراس وحفلات الختان في منازل كبار القوم … ويقتصر الممثلون على الصبية والرجال، أما المرأة فيقوم بدورها رجل أو صبي متنكرًا في زيها. وسأعرض للقارئ نموذجًا عن أحد عروضهم التي قدموها أمام الباشا منذ فترة وجيزة خلال احتفال أقامه بمناسبة ختن أحد أولاده … واقتصرت شخصيات المسرحية على الناظر وشيخ البلد وخادمه وكاتب قبطي وفلاح مَدين للحكومة وزوجته وخمسة أشخاص آخرين، مثَّل اثنان منهما دور طبالين وثالث عازف مزمار وظهر الاثنان الباقيان في دور راقصين.

دخل الناظر وعازف المزمار حلبة التمثيل بعد أن مهد لدخولهما هؤلاء الخمسة بتطبيلهم وتزميرهم ورقصهم. وسأل الناظر: «كم يبلغ دَين عوض بن رجب؟» فأجابه الخمسة الذين يمثلون دور الفلاحين البسطاء: «اطلب من النصراني أن ينظر في سجله.» وكان الكاتب النصراني متمنطقًا «دواية» كبيرة ومرتديًا ثيابَ قبطي ومعتمرًا عمامة سوداء، فسأله شيخ البلد: «كم هو المبلغ المكتوب ضد عوض بن رجب؟» فأجابه الكاتب: «ألف قرش.» فعاد الشيخ يسأله: «وكم دفع حتى الآن؟» فرد عليه الكاتب: «خمسة قروش.» فالْتَفت الشيخ إلى الفلاح قائلًا: «لِمَ لا تُحضر المال يا رجل؟» فيجيبه الفلاح: «لا أملك قرشًا منه.» فتعجب الشيخ: «لا تملك قرشًا واحدًا! اطرحوه أرضًا.» فطرحوه وأحضروا قطعة أحشاء منتفخة تشبه كرباجًا كبيرًا وانهالوا يضربون الفلاح ضربًا مبرحًا. فراح يصيح بالناظر بصوت متهدج: «وشرف ذيل الحصان يا بيه! وشرف سروال زوجتك يا بيه! وشرف عصبة زوجتك يا بيه!» ولكن استنجاده ذهب أدراج الرياح، فضُرب طوال عشرين دقيقة ثم زُج به في السجن.

ثم ننتقل إلى مشهد الفلاح وزوجته التي أتت لزيارته تسأله: «كيف حالك؟» فيجيبها المسكين: «اعملي معروفًا وخذي كشكًا وبيضًا وشعيرية إلى منزل الكاتب النصراني واستدرِّي عطفه علَّه يطلق سراحي.» فأخذت الزوجة الأغراض في ثلاث سلات إلى منزل الكاتب، وسألت بعضهم: «أين هو المعلم حنا؟» فأتاها الجواب: «يجلس هناك.» فتوجهت إليه، وقالت له: «يا معلم حنا! أرجو أن تقبل مني هذه الهدية وتفك أسر زوجي.»

– ومن هو زوجك؟

– الفلاح المَدين بألف قرش.

– أحضري عشرين أو ثلاثين قرشًا، وادفعيها رشوةً إلى شيخ البلد. فانصرفت المسكينة وعادت إلى شيخ البلد ومعها المال المطلوب. فسألها الشيخ: ما هذا؟

– خذها رشوة وفُكَّ قيدَ زوجي.

– حسنًا، اذهبي إلى الناظر.

فخرجت ورسمت جفونها بشيء من الكحل وحنَّت يديها بالحناء الحمراء، وانطلقت إلى الناظر. وألقت عليه التحية قائلة: عِمْتَ مساءً يا سيدي.

– ماذا تريدين؟

– أنا زوجة عوض المَدين بألف قرش.

– وماذا تريدين؟

– زوجي في السجن وأتوسل إليك لتطلق سراحه.

وراحت توزع ابتساماتها بينما كانت تتحدث إلى الناظر حتى تُظهر له أنها لا تسأله هذه الخدمة دون أن تمنحه مقابلها مكافأة. وحصل الناظر بالفعل على مكافأته وحصلت هي على حرية زوجها. وقد مثَّل هؤلاء الخمسة هذه المسرحية أمام الباشا حتى يتنبه لمسلك المسئولين عن جمع الضرائب.»١٠
(٣) الوثائق
ومن الوثائق المهمة التي بين أيدينا، وثيقتان في عهد سعيد باشا، تتحدثان عن بدايات الفن المسرحي في مصر والعالم العربي. الأولى في ٢٨ / ١ / ١٨٥٨، وهي تتحدث عن وليمة ستقام في القلعة بأمر سعيد باشا، وكانت المعية السنية قد طلبت من «كنيك بك» أن يحضر فرقة تشخيصية للقيام ببعض التمثيل البهلواني لضيوف هذه الوليمة. والوثيقة الثانية كانت في ٢ / ٢ / ١٨٥٨، وفيها نجد أمرًا من المعية السنية إلى كنيك بك بمنع حضور المشخصين؛ لأن الحفلة اقترب موعدها، هذا بالإضافة إلى أنها ليست من الفخامة بمكان.١١ ومثل هذه الوثائق تؤكد بشكل قاطع أن القصور الخديوية كانت تحضر إليها الفرق التمثيلية، قبل أن يتوسع في هذا الأمر الخديو إسماعيل، كما هو معروف.
١  وعن هذا المسرح يقول محمد سيد كيلاني في كتابه «في ربوع الأزبكية»، دار العرب للبستاني، ط١، ١٩٥٨، ص١٠٨: «أنشأ نابليون مسرحًا ضخمًا بوجه البركة مُثِّلت فيه الروايات باللغة الفرنسية؛ ترفيهًا عن الجنود وتسلية لهم. ولكن هذا المسرح دُمر خلال ثورة سنة ١٧٩٩، فأعاد الجنرال مينو بناءه من جديد، وأطلق عليه «مسرح الجمهورية» وكان موقعه بالقرب من شارع غيط النوبي الآن.»

الادب- الادبا- ادبية متنوعة- المسرح- المسرحيات- المسرح العربي
٢  



حجم الكتاب عند التحميل : 58.1 ميجا بايت .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة تاريخ المسرح فى العالم العربي القرن التاسع عشر

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل تاريخ المسرح فى العالم العربي القرن التاسع عشر
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

المؤلف:
سيد على اسماعيل - Syed Ali Ismail

كتب سيد على اسماعيل سيد علي إسماعيل أ.د. سيد علي إسماعيل: كاتبٌ مصري مُتخصِّص في الأدب المسرحي وأستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة حلوان. نُشِر له العديد من الإسهامات عن المسرح وتاريخه؛ ممَّا جعله من أهم الكُتَّاب المعاصرين الذين اهتموا بالمسرح باعتباره واحدًا من أهم الفنون الحديثة. وُلِد «سيد علي إسماعيل علي» في القاهرة عامَ ١٩٦٢م، وحصل على ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب جامعة عين شمس، ثم الماجستير عن موضوع: «دور المرأة في مسرح توفيق الحكيم»، والدكتوراه عن موضوع: «أثر التراث العربي في المسرح المصري المعاصر»، ليلتحق بالسلك الأكاديمي لتدريس الأدب في الجامعات المصرية، حتى وصل إلى منصب رئيس قسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم جامعة المنيا، وتم انتدابه في المركز القومي للمسرح وفي عدة جامعات عربية. تخصص إسماعيل في الأدب العربي الحديث، وخصوصًا في فرع المسرح، وبدأ في نشر مُؤلَّفاته التي تتناول المسرح العربي بدايةً من عام ١٩٩٦م، ليستمر إلى الآن في الكتابة المُكثَّفة ما بين الكتب العِلمية المطبوعة والكتب النقدية والتوثيقية والمقالات المنفصلة التي تتناول جميعَ أوجه المسرح في الفترات الزمنية المتعاقِبة منذ نشأته، مرورًا بالأجيال المسرحية الرائدة وحتى العصر الحديث، بالإضافة إلى المسارح التي أثَّرتْ في المسرح العربي وأثَّر فيها. وقد اهتمَّ إسماعيل بشكل خاص بأن يُفرِد الكتبَ في المواضيع المَنسِيَّة من ذاكرة المسرح العربي، التي لم يَستَفِضْ فيها الكثير من المؤلِّفين ونقاد المسرح؛ فقد تناوَل في أبحاثه المسرحَ في القرن التاسع عشر، ونفض الغبارَ عن نصوصٍ مَسرحيةٍ نادرة صَعُب على الباحثين وعشَّاق المسرح الوصول إليها. كما يتكرر حلول الدكتور «سيد علي إسماعيل» عضوًا بارزًا بالعديد من اللجان التحكيمية المسرحية والدراسات العليا، وبصفة رسمية في المهرجانات المسرحية العربية، ولجان تطوير التعليم الأكاديمي، وضيفًا في العديد من البرامج الثقافية والأدبية التلفزيونية والإذاعية، ومُحاضِرًا في الدورات التدريبية والندوات التثقيفية بمعارض الكتاب والمراكز الثقافية، وقد حصل على العديد من دروع التكريم وشهادات التقدير من مؤسسات ثقافية وأكاديمية عربية. وهو يجمع في كتاباته بين استخدامات الأساليب العلمية في التحليل والرصد والتدقيق، بالإضافة إلى الأسلوب المُبسَّط ليصل القارئ إلى المعلومة بسهولة ويُسْر، كما أنه يؤمن بالعمل الجماعي كطريقةٍ لتدريس الأدب، ويحرص على استخدام الوسائل الحديثة في التعليم.❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ تاريخ المسرح فى العالم العربي القرن التاسع عشر ❝ الناشرين : ❞ مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ❝ ❱. المزيد..

كتب سيد على اسماعيل
الناشر:
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
كتب مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ❰ ناشرين لمجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ السحر pdf ❝ ❞ الذاكرة -مقدمة قصيرة جدا ❝ ❞ نيوتن ❝ ❞ دروس مبسطة فى الاقتصاد ❝ ❞ العقل الباطن ❝ ❞ الدبلوماسية جوزيف إم سيراكوسا ❝ ❞ الخليه ❝ ❞ المملكه الحيوانيه ❝ ❞ الفراسة ❝ ومن أبرز المؤلفين : ❞ مصطفى صادق الرافعي ❝ ❞ عباس العقاد ❝ ❞ كامل كيلانى ❝ ❞ طه حسين ❝ ❞ وليم شكسبير ❝ ❞ جرجي حبيب زيدان ❝ ❞ أحمد تيمور ❝ ❞ علي الجارم ❝ ❞ مارون عبود ❝ ❞ إبراهيم ناجى ❝ ❞ أحمد شوقى ❝ ❞ سلامة موسى ❝ ❞ أليس مونرو ❝ ❞ محمد فريد وجدي ❝ ❞ جان جاك روسو ❝ ❞ سيد علي إسماعيل ❝ ❞ محمد كامل حسين ❝ ❞ محمد الأمين الجكنى الشنقيطي ❝ ❞ أحمد زكي أبو شادي ❝ ❞ طاهر الجزائري ❝ ❞ تشارلز تاونزند ❝ ❞ جون جريبين ❝ ❞ إسماعيل مظهر ❝ ❞ روبرت هيث ❝ ❞ محمد الخضر حسين ❝ ❞ محمد لطفي جمعة ❝ ❞ أمين الريحاني ❝ ❞ عبد الوهاب عزام ❝ ❞ جوناثان كيه فوستر ❝ ❞ دانيال كانمان ❝ ❞ أنطون الجميِّل ❝ ❞ فرانك كلوس ❝ ❞ رودولفو ساراتشي ❝ ❞ شارون كيه هول ❝ ❞ غوستاف لوبون ❝ ❞ مراد فرج ❝ ❞ عبد الغفار مكاوي ❝ ❞ لوري ماجواير ❝ ❞ محمد عبد النبي ❝ ❞ عبد الرحمن البرقوقي ❝ ❞ بول ويلكينسون ❝ ❞ جوزيف إم سيراكوسا ❝ ❞ ستيفن جروزبي ❝ ❞ نيكولاس جيمس ❝ ❞ هارولد دبليو لويس ❝ ❞ عبد العزيز البشري ❝ ❞ عمر فاخوري ❝ ❞ جيري بروتون ❝ ❞ فتوح شعبان ❝ ❞ إدوار مرقص ❝ ❞ أوين ديفيز ❝ ❞ إيه سي جرايلينج ❝ ❞ إريك راشواي ❝ ❞ مايكل تانر ❝ ❞ سكيب داين يونج ❝ ❞ تيرى كوبرز ❝ ❞ كلود كيتيل ❝ ❞ ديفيد كانتر ❝ ❞ محمد سليم الجندي ❝ ❞ روبرت جيه ماكمان ❝ ❞ روب أيلف ❝ ❞ حسين محمد فهيم ❝ ❞ روبرت ميرفي ❝ ❞ رفائيل بطي ❝ ❞ ديفيد سِيد ❝ ❞ لويس شيخو ❝ ❞ بيل ماجواير ❝ ❞ كولين وارد ❝ ❞ باتريشيا أوفدرهايدي ❝ ❞ أندرو روبنسون ❝ ❞ لوتشانو فلوريدي ❝ ❞ راسل ستانارد ❝ ❞ بيتر كولز ❝ ❞ كيث طومسون ❝ ❞ تيرينس آلن ❝ ❞ عبد الحميد عبد المقصود ❝ ❞ ديفيد لورمان ❝ ❞ سوزان بلاكمور ❝ ❞ كيه فوستر ❝ ❞ كيث أوتلي ❝ ❞ محمد كامل حجاج ❝ ❞ إسكندرة قسطنطين الخوري ❝ ❞ ستيفن إريك برونر ❝ ❞ جوناثان كولر ❝ ❞ أنطون سعادة ❝ ❞ جوناثان بيت ❝ ❞ نِقولا فياض ❝ ❱.المزيد.. كتب مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
القرآن الكريمالكتابة عالصوركتابة على تورتة الخطوبةالمساعدة بالعربيكتب التاريخكتب الطبخ و المطبخ و الديكوركتب للأطفال مكتبة الطفلكتابة على تورتة مناسبات وأعيادمعاني الأسماءتورتة عيد ميلادكتب قصص و رواياتكتب اسلاميةتورتة عيد الميلادزخرفة توبيكاتاصنع بنفسككتب القانون والعلوم السياسيةزخرفة الأسماءشخصيات هامة مشهورةOnline يوتيوبالتنمية البشريةكتابة على تورتة الزفافالطب النبويكورسات مجانيةكتابة أسماء عالصورخدماتكتب الأدبحكمةبرمجة المواقعكتب تعلم اللغاتSwitzerland United Kingdom United States of America زخرفة أسامي و أسماء و حروف..معنى اسمقراءة و تحميل الكتبكورسات اونلاينحروف توبيكات مزخرفة بالعربياقتباسات ملخصات كتبكتب السياسة والقانونالكتب العامةFacebook Text Artحكم قصيرةكتب الروايات والقصصأسمك عالتورتهمعاني الأسماء