❞ رواية مذكرات قبو ❝  ⏤ فيودور دوستويفسكي

❞ رواية مذكرات قبو ❝ ⏤ فيودور دوستويفسكي

نبذة من الرواية :



في هذه الرواية يصف دستويفسكي العوالم الداخلية لانسان لا يجد لنفسه موقعا في كنف المجتمع، ومن ثم يأخذ في صب جام غضبه وحقده ومخاوفه انطلاقا من مسكنه المعتم الذي يقع في قبو ارضي على الطبيعة البشرية.

إن مأساة هذا الأنسان المهان والحقود هي ورغبته ووعيه في مستقبل افضل، وهي في الوقت ذاته، ادراكه لاستحالة تحقيق ذلك، اذا حتى حب ليزا له، وصفحها عنه، وهي تلك الفتاة التي ما فتيء يهينها ,حتى ذلك الحب الذي كان من الممكن ان يغير فيه شيئا , ويفتح له طريقا نحو حياة سعيدة، ظل بطلنا يرفضه, مفضلا الانزواء في قبوه، مسجون في كبريائه الجريحة، وعزة نفسه المهانة، ونزعته الشريرة، وسخطه ومرارته…

لقد اعتبرة رواية “مذكرات قيو” بتأثيرها البين على فكر بعض الكتاب الكبار، من قبل نيتشه وكافكا وكامو، واحدة من المؤلفات الوجودية الأولى.

كم هو وحيد وبائس ذلك الذي يختبئ في قبو، في قبو روحه، ذلك الذي لم يتكيف يوماً مع واقع ولا أستطاع أن يعرف كيف يعيش مع الناس، كان يمل أسرع مما كان يفقد فيه حاسة الثقة بالنفس، كان مجروحاً، ثم غدا آثما، ثم عصبياً، هائجاً، ناقماً على كل شيء، تسلل داء الوحدة والعزلة إلى روحه، كان أشبه بمن أستفاق في سجن، كان يرى أن الحياة سجن سخيفة، سجن مليء بأناس فوضويون، بقساة القلوب، ظل بطلنا في قبوه لمدة عشرين عاماً، منعزلاً عن الحياة والبشر، أصبح يرى الواقع مثل كومة هباء، لم يجبر نفسه يوماً فعل ما يجعله يعتقد خلاف ذلك، ما من أمر أجبره على الخروج من ذلك القبو العفن، بالوحدة والخطايا، والتأنيب ، وكما عبر نابكوف مرةً :

‏" لقد أخذت الوحدة تفسدني، وأخذت أحتاج إلى من يُلازمني ويعتني بي، وأصبح قلبي جهازاً هستيرياً لا يوثق به."

مر بطل قبونا - إن شئنا أن نسميه - بمرحلة الإنسحاب، ثم التكور على الذات، ثم النقمة على المجتمع، ثم الغضب، ثم التعب، وبعد ذلك الهذيان في الكتابة، كان شريراً بحق، لاذعاً، غير عابئ حتى بكرامته، أصبح يلقي بالخطب والمواعظ، تعب من إنتقاد ذاته، يعلم أنه تصرف في مرات عديدة ببلاهة، يلتقي بأصدقاء قدماء، لا يرونه سوى حشرة تداس، وفي أفضل الحالات تحول إلى موضع للسخرية في جلسة خمر، يا إلهي كم يفقد الإنسان نفسه حين لا يعود يتعرف على واقعه، يصبح ضحلاً، يُسمي أتفه التفاصيل التي يعملها إنتصاراً، يضخم من ذاته ثم ينكمش، فيتحطم في نهاية المطاف، ثم يلتقي بمن هو أدنى منه، فالويل لذلك الأدنى، الذي سيصب عليه جام غضبه ومواعظه الأخلاقية ورؤيته للإنسان الفاضل، من هو؟ مجرد هارب يبحث عمن يكون أدنى منه، مجرد خائف من مواجهة ذاته، القبو عبارة عن أرض يرقد فيها بطلنا بلا حياة، ولكنه أصبح يعرف كيف يحكي ويعبر عن ذاته أيما تعبير، أصبح موقناً بأن لا شيء أفضل من أن يحكي ويسخر ويغرق الورق بخموله النفسي ولا-واقعيته، مرارة حياته هو، صار يندب ماضية، وواقعه والمجتمع المادي الجامد الذي يعيش فيه، صار يعي أن حياته قد أنتهت في ذلك القبو المعتم، حياته ، شروده، غموضه تجاه الأشياء، أحلامه التي لم تكن يوماً سوى أحلاماً بسيطة، صارت توخزه، تجعله غاضباً على الدوام ..



هذه الرواية ربما تكون من أعمق ما كتب دوستويفسكي في مجال النفس البشرية وإزالة الموانع أمام التعرف على روح الإنسان الداخلية بمسحة شديدة من السوداوية، والرؤى المحطمة، والأسلوب اللاذع والتهكمي من مصير الإنسان وحياته وبواعثه، تحكي عن الهروب البشع أمام الحضارة والمادة، أمام المجتمع والواقع ، إما أن ينكمش الإنسان أو يتمادى في واقعيته، لا حل آخر، يظهر دوستويفسكي متعصباً، غاضباً من مجتمعه، غير آبهاً لسخرية الآخرين، ولا متطلعاً لترف الاعجابات، رواية صريحة، عميقة، مدهشة، ومرعبة أيضاً في تحليلها وواقعيتها ..



ذكرني بطل هذه الرواية ببطل رواية (الليالي البيضاء) ، اللذين يتجسدان بلا أسم ولا أوصاف، يخرجان من جحريهما نحو فضاء لا يعرفانه، يتخبطان في الواقع، يحكيان مثل ساذجين، خرجا من كتاب وظلا يثرثران، هناك ربط عجيب بين الروايتين، ومشاعر متشابهة لدى قراءة كليهما، هل يمكن أن يكون الشخص ذاته، راودتني هذه الأفكار فعلاً، هل هذا هو مصير الذي كتبه دوستويفسكي لصاحبنا في رواية (الليالي البيضاء)، هل وصل به الحال أن يرمي بطله في حفرة مثل هذا القبو وهو يشاهده يغضب ويثور، ويتخبط، لا أستبعد ذلك خصوصاً وأن كلاهما كان حالماً، حساساً، غريب الأطوار، وحيدين مثل سلحفاة، عاطفيين مثل أبطال الحكايات الغابرة، ربما تكون مذكرات القبو هذه هي الجزء التالي لحكاية العاشق، العاشق المخرّب، الذي خسر الحب ، خسر حياته، واقعه، وظل يكتب ويكتب، يكتب مثل من يحلم بالنجاة ..


" أيها السادة، سأخبركم حول الكيفية التي أضعتُ فيها فرصة النجاح في حياتي ...... بفعل الفساد الروحي والأخلاقي الذي أعاني منه، وبفعل الوقاحة الصلفة التي أتصف بها، وبفعل عدم تعودي على الحياة المُعاشة، وبفعل تراكم الغيظ والحقد اللذين نميتُهما في قبوي "
فيودور دوستويفسكي -
ولِد دوستويفسكي في موسكو عام 1821، وبدأ قراءته الأدبية في عُمرٍ مُبكّر من خلال قراءة القصص الخيالية والأساطير من كُتّاب روس وأجانب. توفّيت والدته عام 1837 عندما كان عُمره 15 سنة، وفي نفس الوقت ترك المدرسة والتَحق بمعهد الهندسة العسكرية. وبعد تَخرّجه عَمِل مُهندساً واستمتع بأسلوب حياةٍ باذِخ، وكان يُترجم كُتباً في ذلك الوقت أيضاً ليكون كدخلٍ إضافيّ له. في مُنتَصف الأربعينيات كَتب روايته الأولى المساكين التي أدخلته في الأوساط الأدبية في سانت بطرسبرغ حيث كان يعيش. وقد أُلقيَ القبض عليه عام 1849 لانتمائه لرابطة بيتراشيفسكي وهي مجموعةٌ أدبية سريّة تُناقِش الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام الحاكِم في روسيا وحُكِم عليه بالإعدام، ولكن تم تخفيف الحُكم في اللحظات الأخيرة من تنفيذه، فقضى 4 سنوات في الأعمال الشاقّة تلاها 6 سنوات من الخدمة العسكرية القسرية في المنفى.


❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ الجريمة والعقاب ج 1 ❝ ❞ الانسان الصرصار ❝ ❞ مذلون مهانون ❝ ❞ الأخوة كارامازوف الجزء الاول ❝ ❞ الفقراء ❝ ❞ الجريمة والعقاب ج 2 ❝ ❞ حلم رجل مضحك ❝ ❞ الشياطين ❝ ❞ الرسائل الجزء الثاني ❝ الناشرين : ❞ عصير الكتب للنشر والتوزيع ❝ ❞ دار الهلال ❝ ❞ المركز الثقافي العربي ❝ ❞ دار التنوير للطباعة والنشر ❝ ❞ دار العلم للملايين ❝ ❞ الدار الأهلية للنشر والتوزيع، ‏عمان‏ - ‏الأردن ❝ ❞ دار ابن رشد للطباعة والنشر ❝ ❞ دار الطباعة الحديثة ❝ ❱
من الادب العالمى - مكتبة الكتب و الموسوعات العامة.



اقتباسات من رواية مذكرات قبو

نبذة عن الكتاب:
مذكرات قبو

2018م - 1444هـ
نبذة من الرواية :



في هذه الرواية يصف دستويفسكي العوالم الداخلية لانسان لا يجد لنفسه موقعا في كنف المجتمع، ومن ثم يأخذ في صب جام غضبه وحقده ومخاوفه انطلاقا من مسكنه المعتم الذي يقع في قبو ارضي على الطبيعة البشرية.

إن مأساة هذا الأنسان المهان والحقود هي ورغبته ووعيه في مستقبل افضل، وهي في الوقت ذاته، ادراكه لاستحالة تحقيق ذلك، اذا حتى حب ليزا له، وصفحها عنه، وهي تلك الفتاة التي ما فتيء يهينها ,حتى ذلك الحب الذي كان من الممكن ان يغير فيه شيئا , ويفتح له طريقا نحو حياة سعيدة، ظل بطلنا يرفضه, مفضلا الانزواء في قبوه، مسجون في كبريائه الجريحة، وعزة نفسه المهانة، ونزعته الشريرة، وسخطه ومرارته…

لقد اعتبرة رواية “مذكرات قيو” بتأثيرها البين على فكر بعض الكتاب الكبار، من قبل نيتشه وكافكا وكامو، واحدة من المؤلفات الوجودية الأولى.

كم هو وحيد وبائس ذلك الذي يختبئ في قبو، في قبو روحه، ذلك الذي لم يتكيف يوماً مع واقع ولا أستطاع أن يعرف كيف يعيش مع الناس، كان يمل أسرع مما كان يفقد فيه حاسة الثقة بالنفس، كان مجروحاً، ثم غدا آثما، ثم عصبياً، هائجاً، ناقماً على كل شيء، تسلل داء الوحدة والعزلة إلى روحه، كان أشبه بمن أستفاق في سجن، كان يرى أن الحياة سجن سخيفة، سجن مليء بأناس فوضويون، بقساة القلوب، ظل بطلنا في قبوه لمدة عشرين عاماً، منعزلاً عن الحياة والبشر، أصبح يرى الواقع مثل كومة هباء، لم يجبر نفسه يوماً فعل ما يجعله يعتقد خلاف ذلك، ما من أمر أجبره على الخروج من ذلك القبو العفن، بالوحدة والخطايا، والتأنيب ، وكما عبر نابكوف مرةً :

‏" لقد أخذت الوحدة تفسدني، وأخذت أحتاج إلى من يُلازمني ويعتني بي، وأصبح قلبي جهازاً هستيرياً لا يوثق به."

مر بطل قبونا - إن شئنا أن نسميه - بمرحلة الإنسحاب، ثم التكور على الذات، ثم النقمة على المجتمع، ثم الغضب، ثم التعب، وبعد ذلك الهذيان في الكتابة، كان شريراً بحق، لاذعاً، غير عابئ حتى بكرامته، أصبح يلقي بالخطب والمواعظ، تعب من إنتقاد ذاته، يعلم أنه تصرف في مرات عديدة ببلاهة، يلتقي بأصدقاء قدماء، لا يرونه سوى حشرة تداس، وفي أفضل الحالات تحول إلى موضع للسخرية في جلسة خمر، يا إلهي كم يفقد الإنسان نفسه حين لا يعود يتعرف على واقعه، يصبح ضحلاً، يُسمي أتفه التفاصيل التي يعملها إنتصاراً، يضخم من ذاته ثم ينكمش، فيتحطم في نهاية المطاف، ثم يلتقي بمن هو أدنى منه، فالويل لذلك الأدنى، الذي سيصب عليه جام غضبه ومواعظه الأخلاقية ورؤيته للإنسان الفاضل، من هو؟ مجرد هارب يبحث عمن يكون أدنى منه، مجرد خائف من مواجهة ذاته، القبو عبارة عن أرض يرقد فيها بطلنا بلا حياة، ولكنه أصبح يعرف كيف يحكي ويعبر عن ذاته أيما تعبير، أصبح موقناً بأن لا شيء أفضل من أن يحكي ويسخر ويغرق الورق بخموله النفسي ولا-واقعيته، مرارة حياته هو، صار يندب ماضية، وواقعه والمجتمع المادي الجامد الذي يعيش فيه، صار يعي أن حياته قد أنتهت في ذلك القبو المعتم، حياته ، شروده، غموضه تجاه الأشياء، أحلامه التي لم تكن يوماً سوى أحلاماً بسيطة، صارت توخزه، تجعله غاضباً على الدوام ..



هذه الرواية ربما تكون من أعمق ما كتب دوستويفسكي في مجال النفس البشرية وإزالة الموانع أمام التعرف على روح الإنسان الداخلية بمسحة شديدة من السوداوية، والرؤى المحطمة، والأسلوب اللاذع والتهكمي من مصير الإنسان وحياته وبواعثه، تحكي عن الهروب البشع أمام الحضارة والمادة، أمام المجتمع والواقع ، إما أن ينكمش الإنسان أو يتمادى في واقعيته، لا حل آخر، يظهر دوستويفسكي متعصباً، غاضباً من مجتمعه، غير آبهاً لسخرية الآخرين، ولا متطلعاً لترف الاعجابات، رواية صريحة، عميقة، مدهشة، ومرعبة أيضاً في تحليلها وواقعيتها ..



ذكرني بطل هذه الرواية ببطل رواية (الليالي البيضاء) ، اللذين يتجسدان بلا أسم ولا أوصاف، يخرجان من جحريهما نحو فضاء لا يعرفانه، يتخبطان في الواقع، يحكيان مثل ساذجين، خرجا من كتاب وظلا يثرثران، هناك ربط عجيب بين الروايتين، ومشاعر متشابهة لدى قراءة كليهما، هل يمكن أن يكون الشخص ذاته، راودتني هذه الأفكار فعلاً، هل هذا هو مصير الذي كتبه دوستويفسكي لصاحبنا في رواية (الليالي البيضاء)، هل وصل به الحال أن يرمي بطله في حفرة مثل هذا القبو وهو يشاهده يغضب ويثور، ويتخبط، لا أستبعد ذلك خصوصاً وأن كلاهما كان حالماً، حساساً، غريب الأطوار، وحيدين مثل سلحفاة، عاطفيين مثل أبطال الحكايات الغابرة، ربما تكون مذكرات القبو هذه هي الجزء التالي لحكاية العاشق، العاشق المخرّب، الذي خسر الحب ، خسر حياته، واقعه، وظل يكتب ويكتب، يكتب مثل من يحلم بالنجاة ..


" أيها السادة، سأخبركم حول الكيفية التي أضعتُ فيها فرصة النجاح في حياتي ...... بفعل الفساد الروحي والأخلاقي الذي أعاني منه، وبفعل الوقاحة الصلفة التي أتصف بها، وبفعل عدم تعودي على الحياة المُعاشة، وبفعل تراكم الغيظ والحقد اللذين نميتُهما في قبوي " .
المزيد..

تعليقات القرّاء:

نبذة من الكتاب :

في هذه الرواية يصف دستويفسكي العوالم الداخلية لانسان لا يجد لنفسه موقعا في كنف المجتمع، ومن ثم يأخذ في صب جام غضبه وحقده ومخاوفه انطلاقا من مسكنه المعتم الذي يقع في قبو ارضي على الطبيعة البشرية.

إن مأساة هذا الأنسان المهان والحقود هي ورغبته ووعيه في مستقبل افضل، وهي في الوقت ذاته، ادراكه لاستحالة تحقيق ذلك، اذا حتى حب ليزا له، وصفحها عنه، وهي تلك الفتاة التي ما فتيء يهينها ,حتى ذلك الحب الذي كان من الممكن ان يغير فيه شيئا , ويفتح له طريقا نحو حياة سعيدة، ظل بطلنا يرفضه, مفضلا الانزواء في قبوه، مسجون في كبريائه الجريحة، وعزة نفسه المهانة، ونزعته الشريرة، وسخطه ومرارته…

لقد اعتبرة رواية “مذكرات قيو” بتأثيرها البين على فكر بعض الكتاب الكبار، من قبل نيتشه وكافكا وكامو، واحدة من المؤلفات الوجودية الأولى. 

كم هو وحيد وبائس ذلك الذي يختبئ في قبو، في قبو روحه، ذلك الذي لم يتكيف يوماً مع واقع ولا أستطاع أن يعرف كيف يعيش مع الناس، كان يمل أسرع مما كان يفقد فيه حاسة الثقة بالنفس، كان مجروحاً، ثم غدا آثما، ثم عصبياً، هائجاً، ناقماً على كل شيء، تسلل داء الوحدة والعزلة إلى روحه، كان أشبه بمن أستفاق في سجن، كان يرى أن الحياة سجن سخيفة، سجن مليء بأناس فوضويون، بقساة القلوب، ظل بطلنا في قبوه لمدة عشرين عاماً، منعزلاً عن الحياة والبشر، أصبح يرى الواقع مثل كومة هباء، لم يجبر نفسه يوماً فعل ما يجعله يعتقد خلاف ذلك، ما من أمر أجبره على الخروج من ذلك القبو العفن، بالوحدة والخطايا، والتأنيب ، وكما عبر نابكوف مرةً :

‏" لقد أخذت الوحدة تفسدني، وأخذت أحتاج إلى من يُلازمني ويعتني بي، وأصبح قلبي جهازاً هستيرياً لا يوثق به."

مر بطل قبونا - إن شئنا أن نسميه - بمرحلة الإنسحاب، ثم التكور على الذات، ثم النقمة على المجتمع، ثم الغضب، ثم التعب، وبعد ذلك الهذيان في الكتابة، كان شريراً بحق، لاذعاً، غير عابئ حتى بكرامته، أصبح يلقي بالخطب والمواعظ، تعب من إنتقاد ذاته، يعلم أنه تصرف في مرات عديدة ببلاهة، يلتقي بأصدقاء قدماء، لا يرونه سوى حشرة تداس، وفي أفضل الحالات تحول إلى موضع للسخرية في جلسة خمر، يا إلهي كم يفقد الإنسان نفسه حين لا يعود يتعرف على واقعه، يصبح ضحلاً، يُسمي أتفه التفاصيل التي يعملها إنتصاراً، يضخم من ذاته ثم ينكمش، فيتحطم في نهاية المطاف، ثم يلتقي بمن هو أدنى منه، فالويل لذلك الأدنى، الذي سيصب عليه جام غضبه ومواعظه الأخلاقية ورؤيته للإنسان الفاضل، من هو؟ مجرد هارب يبحث عمن يكون أدنى منه، مجرد خائف من مواجهة ذاته، القبو عبارة عن أرض يرقد فيها بطلنا بلا حياة، ولكنه أصبح يعرف كيف يحكي ويعبر عن ذاته أيما تعبير، أصبح موقناً بأن لا شيء أفضل من أن يحكي ويسخر ويغرق الورق بخموله النفسي ولا-واقعيته، مرارة حياته هو، صار يندب ماضية، وواقعه والمجتمع المادي الجامد الذي يعيش فيه، صار يعي أن حياته قد أنتهت في ذلك القبو المعتم، حياته ، شروده، غموضه تجاه الأشياء، أحلامه التي لم تكن يوماً سوى أحلاماً بسيطة، صارت توخزه، تجعله غاضباً على الدوام ..

هذه الرواية ربما تكون من أعمق ما كتب دوستويفسكي في مجال النفس البشرية وإزالة الموانع أمام التعرف على روح الإنسان الداخلية بمسحة شديدة من السوداوية، والرؤى المحطمة، والأسلوب اللاذع والتهكمي من مصير الإنسان وحياته وبواعثه، تحكي عن الهروب البشع أمام الحضارة والمادة، أمام المجتمع والواقع ، إما أن ينكمش الإنسان أو يتمادى في واقعيته، لا حل آخر، يظهر دوستويفسكي متعصباً، غاضباً من مجتمعه، غير آبهاً لسخرية الآخرين، ولا متطلعاً لترف الاعجابات، رواية صريحة، عميقة، مدهشة، ومرعبة أيضاً في تحليلها وواقعيتها ..

ذكرني بطل هذه الرواية ببطل رواية (الليالي البيضاء) ، اللذين يتجسدان بلا أسم ولا أوصاف، يخرجان من جحريهما نحو فضاء لا يعرفانه، يتخبطان في الواقع، يحكيان مثل ساذجين، خرجا من كتاب وظلا يثرثران، هناك ربط عجيب بين الروايتين، ومشاعر متشابهة لدى قراءة كليهما، هل يمكن أن يكون الشخص ذاته، راودتني هذه الأفكار فعلاً، هل هذا هو مصير الذي كتبه دوستويفسكي لصاحبنا في رواية (الليالي البيضاء)، هل وصل به الحال أن يرمي بطله في حفرة مثل هذا القبو وهو يشاهده يغضب ويثور، ويتخبط، لا أستبعد ذلك خصوصاً وأن كلاهما كان حالماً، حساساً، غريب الأطوار، وحيدين مثل سلحفاة، عاطفيين مثل أبطال الحكايات الغابرة، ربما تكون مذكرات القبو هذه هي الجزء التالي لحكاية العاشق، العاشق المخرّب، الذي خسر الحب ، خسر حياته، واقعه، وظل يكتب ويكتب، يكتب مثل من يحلم بالنجاة ..


" أيها السادة، سأخبركم حول الكيفية التي أضعتُ فيها فرصة النجاح في حياتي ...... بفعل الفساد الروحي والأخلاقي الذي أعاني منه، وبفعل الوقاحة الصلفة التي أتصف بها، وبفعل عدم تعودي على الحياة المُعاشة، وبفعل تراكم الغيظ والحقد اللذين نميتُهما في قبوي "



سنة النشر : 2018م / 1439هـ .
عداد القراءة: عدد قراءة مذكرات قبو

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:


شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

المؤلف:
فيودور دوستويفسكي - Fyodor Dostoevsky

كتب فيودور دوستويفسكي ولِد دوستويفسكي في موسكو عام 1821، وبدأ قراءته الأدبية في عُمرٍ مُبكّر من خلال قراءة القصص الخيالية والأساطير من كُتّاب روس وأجانب. توفّيت والدته عام 1837 عندما كان عُمره 15 سنة، وفي نفس الوقت ترك المدرسة والتَحق بمعهد الهندسة العسكرية. وبعد تَخرّجه عَمِل مُهندساً واستمتع بأسلوب حياةٍ باذِخ، وكان يُترجم كُتباً في ذلك الوقت أيضاً ليكون كدخلٍ إضافيّ له. في مُنتَصف الأربعينيات كَتب روايته الأولى المساكين التي أدخلته في الأوساط الأدبية في سانت بطرسبرغ حيث كان يعيش. وقد أُلقيَ القبض عليه عام 1849 لانتمائه لرابطة بيتراشيفسكي وهي مجموعةٌ أدبية سريّة تُناقِش الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام الحاكِم في روسيا وحُكِم عليه بالإعدام، ولكن تم تخفيف الحُكم في اللحظات الأخيرة من تنفيذه، فقضى 4 سنوات في الأعمال الشاقّة تلاها 6 سنوات من الخدمة العسكرية القسرية في المنفى. ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ الجريمة والعقاب ج 1 ❝ ❞ الانسان الصرصار ❝ ❞ مذلون مهانون ❝ ❞ الأخوة كارامازوف الجزء الاول ❝ ❞ الفقراء ❝ ❞ الجريمة والعقاب ج 2 ❝ ❞ حلم رجل مضحك ❝ ❞ الشياطين ❝ ❞ الرسائل الجزء الثاني ❝ الناشرين : ❞ عصير الكتب للنشر والتوزيع ❝ ❞ دار الهلال ❝ ❞ المركز الثقافي العربي ❝ ❞ دار التنوير للطباعة والنشر ❝ ❞ دار العلم للملايين ❝ ❞ الدار الأهلية للنشر والتوزيع، ‏عمان‏ - ‏الأردن ❝ ❞ دار ابن رشد للطباعة والنشر ❝ ❞ دار الطباعة الحديثة ❝ ❱. المزيد..

كتب فيودور دوستويفسكي
الناشر:
المركز الثقافي العربي
كتب المركز الثقافي العربي ❰ ناشرين لمجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ البؤساء Les Misérables ❝ ❞ مجمل تاريخ المغرب ( عبد الله العروي ) ❝ ❞ الجريمة والعقاب ج 1 ❝ ❞ التخلف الاجتماعى(مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور) ❝ ❞ لا تخبرى ماما ❝ ❞ كيف تقع فى الحب ❝ ❞ مرتفعات وذرينغ ❝ ❞ تركوا بابا يعود ❝ ❞ تحليل الخطاب الشعري - استراتيجية التناص ❝ ومن أبرز المؤلفين : ❞ فيودور دوستويفسكي ❝ ❞ فيكتور هوجو ❝ ❞ محمد عابد الجابرى ❝ ❞ دوستويفسكي ❝ ❞ جورج أورويل ❝ ❞ غسان كنفانى ❝ ❞ هاروكي موراكامي ❝ ❞ عبدالله العروي ❝ ❞ توني ماغواير ❝ ❞ مصطفى حجازى ❝ ❞ د. عبد الله الغذامى ❝ ❞ ميلان كونديرا ❝ ❞ غيوم ميسو ❝ ❞ فرناندو بيسوا ❝ ❞ موسي عبود ❝ ❞ جاك دريدا ❝ ❞ جبرا إبراهيم جبرا - عبد الرحمن منيف ❝ ❞ ميشيل فوكو ❝ ❞ بول ريكور ❝ ❞ هال الرود ❝ ❞ د. على حرب ❝ ❞ صمويل بيكيت ❝ ❞ طه عبد الرحمن ❝ ❞ عبد الرحمن منيف ❝ ❞ مصطفى حجازي السيد حجازي ❝ ❞ إمبرتو إيكو ❝ ❞ محمد مفتاح ❝ ❞ مونتسكيو ❝ ❞ جيل دولوز ❝ ❞ مارتن هيدجر ❝ ❞ الطاهر بن جلون ❝ ❞ أحمد فتحي سليمان ❝ ❞ مارتن بيج ❝ ❞ مريد البرغوثي ❝ ❞ إميلي برونتي ❝ ❞ أغوتا كريستوف ❝ ❞ سيسيليا أهيرن ❝ ❞ نصر حامد أبو زيد ❝ ❞ برهان غليون ❝ ❞ ربيع جابر ❝ ❞ عبد الله الغذامى ❝ ❞ واسيني الأعرج ❝ ❞ عبد الله ابراهيم ❝ ❞ ريجيس دوبريه ❝ ❞ الدكتور سعيد علوش ❝ ❞ ر.ديكة و ج.ويتكه ❝ ❞ د عصام سليمان ❝ ❞ عبدالرحمن منيف ❝ ❞ أمبرتو إيكو ❝ ❞ حجي جابر ❝ ❞ أحمد المرزوقي ❝ ❞ خورخي لويس بورخيس ❝ ❞ الولى محمد ❝ ❞ جاك لومبار ❝ ❞ عبد الله محمد الغذامى ❝ ❞ رافاييل جيرو دانو ❝ ❞ إدموند هوسرل ❝ ❞ عبد الجواد ياسين ❝ ❞ سعد البازعي ❝ ❞ ميجان الرويلى ❝ ❞ كاميلا لاكبيرغ ❝ ❞ الأزهر الزناد ❝ ❞ يوري لوتمان ❝ ❞ ميتش البوم ❝ ❞ كلير ماكينتوش ❝ ❞ هوراكى موراكى ❝ ❞ كريستيان جاك ❝ ❞ مصطفى صفوان وعدنان حب الله ❝ ❞ سعيد يقطين ❝ ❞ هادى المدرسى ❝ ❞ نزار كربوط ❝ ❞ داي سيجي ❝ ❞ محمد ينيس ❝ ❞ إيريك دو كيرميل ❝ ❞ ميشيل بوسى ❝ ❞ فيليب لوجون ❝ ❞ فايد العليوي ❝ ❞ إيفو أندرتش ❝ ❞ ريتشارد كيرنى ❝ ❞ حسن أوريد ❝ ❞ كارلوس ليسكانو ❝ ❞ إ. لوكهارت ❝ ❞ إيريك إيمانويل شميت ❝ ❞ جيمس آلن ❝ ❞ علي الشدوي ❝ ❞ جان سوفاجية ❝ ❞ يوسف المحيميد ❝ ❞ جوديت بيرينيون ❝ ❞ رضوي عاشور ❝ ❞ ريتا فرج ❝ ❞ رينيه الحايك ❝ ❞ سعد الدوسرى ❝ ❞ دوريان سوكيغاوا ❝ ❞ عبد الأحد السبيى حليمة فرحات ❝ ❞ ريموند وليمز ❝ ❞ ج. م. كوتزي ❝ ❞ عبدالله الغذامي ❝ ❞ عبد الجواد حسين ❝ ❞ رافاييل جيوردانو ❝ ❞ كايبارا إكيكن ❝ ❞ كيغو هيغاشينو ❝ ❞ عبد الاله الصائغ ❝ ❞ دافيد ماشادو ❝ ❞ عبد المجيد سباطة ❝ ❞ عبد الكريم جويطي ❝ ❞ كاترين تيستا ❝ ❞ أوليفييه بوريول ❝ ❞ أبو يوسف طه ❝ ❞ هومي ك بابا ❝ ❞ مارسيل إيميه ❝ ❞ عبد الله البصيص ❝ ❞ أليكس ميكايليدس ❝ ❞ فيرجيني غريمالدي ❝ ❞ روزي بليك ❝ ❞ فريدريك بيغبيديه ❝ ❞ أيمن المصري ❝ ❱.المزيد.. كتب المركز الثقافي العربي