❞ كتاب رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة ❝  ⏤ شعبان محمد إسماعيل

❞ كتاب رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة ❝ ⏤ شعبان محمد إسماعيل

القرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة من عند الله تعالى لهداية الخلق، وإرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم.

إنه -مع السنة النبوية الشريفة- منهج الله تعالى في صورته الأخيرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ولما كانت الكتب السابقة موقوتة بوقت محدد، وبأناس معينين، فقد شاء الله تعالى أن ينالها التحريف والتبديل، حتى يكون ذلك دليلا على عدم صلاحيتها للاستمرار والدوام.

ومن هنا تكفل الحق -تبارك وتعالى- بحفظ القرآن الكريم من أن يناله ما نال الكتب السابقة من هذا التحريف.

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1 كما هيأ -جل شأنه- الأمة التي شرفت بنزول القرآن إليها أن تتحمل مسئولية الحفاظ على هذا الكتاب المجيد، باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وأنها تأتي يوم القيامة شاهدة على الأمم السابقة وما فعلت مع أنبياء الله تعالى ورسله، وما غيرت وحرفت من منهج الله تعالى.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 2، 3.

فمنذا بدأ نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صلى الله عليه وسلم يتلقى ما يوحى إليه من

ربه -جل وعلا- فيحفظه ويعيه، ثم يبلغه لأصحابه -رضي الله عنهم- فيحفظونه كذلك، ويحفظونه لغيرهم كما سمعوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجودا مرتلا، عملا بتوجيه الله تعالى في قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} 1.

ومع أن الأمة العربية التي شرفت بنزول القرآن الكريم بلغتها كانت تعتمد على الحفظ أكثر من اعتمادها على الكتابة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -زيادة في التوثيق- اتخذ له كُتَّابا يكتبون له ما ينزل به الوحي، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن الوليد، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم جميعا.

فكان كلما نزلت آية أو آيات أمرهم -صلى الله عليه وسلم- بكتابتها، بعد أن يدلهم على موضعها من السورة، فيقول لهم: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا، قبل كذا وبعد كذا ... " 2 كما كان سائر الصحابة يكتبون لأنفسهم مثل ذلك، متحرين الدقة والأمانة في كل ما يقرءون أو يكتبون: فكانوا إذا تماروا3 في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، وفي رواية: على رأس ثلاث ليال، فيبعث إليه من المدينة، فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آية كذا وكذا؟

فيقول: كذا وكذا. فيكتبون كما قال4.

وكانوا يكتبون ذلك على عسب السعف -وهو الطرف العريض من جريد النخل- والألواح من أكتاف الغنم وغيرها من العظام الطاهرة، والرقاع -وهي الجلود- واللخاف -وهي الحجارة العريضة البيض التي تشبه الألواح- وغير ذلك من الوسائل التي كانت متيسرة حينذاك.

ولم يلحق الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى إلا والقرآن كله محفوظ في صدره وبعض الصحابة -رضي الله عنهم- ومكتوب في السطور، حسب الطريقة التي أشرنا إليها، غير أنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، ولا مرتبَ السور، ولكن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يعرفون ترتيبها حسبما بين لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

ولعل الحكمة في ذلك هي: أن القرآن كان لا يزال ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ما قبل وفاته بأيام، وكانت هناك آيات تنزل بنسخ بعض الآيات الأخرى، فلو أمر -صلى الله عليه وسلم- بجمعه وترتيبه، لأدى ذلك إلى الاختلاف والاختلاط فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، حتى جمع في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه1.

ولما كثرت الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه- وكان أهل كل بلد يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، وكانوا حينما يلتقون في بعض المجامع ينكر بعضهم على بعض ما يسمعونه من وجوه القراءات التي لم يتلقوها، وكادت تحدث فتنة، فتدارك "عثمان" هذا الأمر، وأمر بنسخ مصاحف متعددة من المصحف الذي جمع في عهد الخليفة الأول "أبي بكر" -رضي الله عنه- وأرسل هذه المصاحف إلى الأمصار المختلفة.

وقد كتبت هذه المصاحف بطريقة تخالف الرسم الإملائي في بعض الكلمات كما سنبين ذلك -إن شاء الله تعالى- فأطلق على هذا الرسم "الرسم العثماني" نسبة إلى "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه.

ولما كثر الداخلون في الإسلام -من غير العرب- في عهد معاوية بن أبي سفيان" -رضي الله عنه- وتفشى اللحن في الكلام العربي، وخشي أن يتطرق اللحن إلى القرآن الكريم، اقتضى الأمر وضع علامات تساعد على النطق السليم، دون المساس بالرسم العثماني، وأطلق على هذه العلامات: نقط الإعراب ونقط الإعجام -كما سيأتي.



يوضِّح المؤلفُ في هذا البحث موقف العلماء من قضية رسم المصحف وضبطه، وهل كتابة المصحف بالرسم العثماني توقيفية لا يجوز مُخالفتها، أو أنها ليست توقيفية، فيجوز الاجتهاد فيها، وكتابة المصحف بما يتَّفق وقواعد الإملاء الحديثة؟ ويشتمل البحثُ على النقاط التالية: - الكتابة العربية وعلاقتها بالرسم العثماني. - جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه: أسبابه وطبيعته.

- نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه: أسبابه وطبيعته. - عدد المصاحف التي أرسلها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار. - كيفية اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة. - ظواهر الرسم العثماني وموقف العلماء منه. - هل الرسم العثماني توقيفي أو اصطلاحي؟ - قرارات المجامع الفقهية حول قضية الرسم العثماني. - الضبط: مفهومه وأسبابه. - تقسيم المصحف وأسبابه.
شعبان محمد إسماعيل - الشيخ المقرئ شعبان محمد إسماعيل*ولد في محافظة الشرقية بجمهورية مصر العربية سنة 1359 هــ 1939م*حفظ القرآن الكريم وجوّده, ثم التحق بالأزهر فدرس في معهد القراءات حتى حصل على شهادة (التخصص) في القراءات وعلوم القرآ ❰ له مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة ❝ ❞ المدخل لدراسة القرآن والسنة والعلوم الإسلامية ❝ ❞ الأحرف السبعة والقراءات وما أثير حولها من شبهات ❝ ❞ نظرية النسخ في الشرائع السماوية ❝ ❞ الإسلام وموقفه من الشرائع السابقة ❝ الناشرين : ❞ مكتبة الملك فهد الوطنية ❝ ❞ دار الفكر للطباعة والنشر بسوريا ❝ ❞ دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ❝ ❞ دار الأنصار ❝ ❱
من كتب علوم القرآن كتب التفاسير وعلوم القرآن الكريم - مكتبة كتب إسلامية.

نبذة عن الكتاب:
رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة

2012م - 1445هـ
القرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة من عند الله تعالى لهداية الخلق، وإرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم.

إنه -مع السنة النبوية الشريفة- منهج الله تعالى في صورته الأخيرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ولما كانت الكتب السابقة موقوتة بوقت محدد، وبأناس معينين، فقد شاء الله تعالى أن ينالها التحريف والتبديل، حتى يكون ذلك دليلا على عدم صلاحيتها للاستمرار والدوام.

ومن هنا تكفل الحق -تبارك وتعالى- بحفظ القرآن الكريم من أن يناله ما نال الكتب السابقة من هذا التحريف.

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1 كما هيأ -جل شأنه- الأمة التي شرفت بنزول القرآن إليها أن تتحمل مسئولية الحفاظ على هذا الكتاب المجيد، باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وأنها تأتي يوم القيامة شاهدة على الأمم السابقة وما فعلت مع أنبياء الله تعالى ورسله، وما غيرت وحرفت من منهج الله تعالى.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 2، 3.

فمنذا بدأ نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صلى الله عليه وسلم يتلقى ما يوحى إليه من

ربه -جل وعلا- فيحفظه ويعيه، ثم يبلغه لأصحابه -رضي الله عنهم- فيحفظونه كذلك، ويحفظونه لغيرهم كما سمعوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجودا مرتلا، عملا بتوجيه الله تعالى في قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} 1.

ومع أن الأمة العربية التي شرفت بنزول القرآن الكريم بلغتها كانت تعتمد على الحفظ أكثر من اعتمادها على الكتابة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -زيادة في التوثيق- اتخذ له كُتَّابا يكتبون له ما ينزل به الوحي، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن الوليد، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم جميعا.

فكان كلما نزلت آية أو آيات أمرهم -صلى الله عليه وسلم- بكتابتها، بعد أن يدلهم على موضعها من السورة، فيقول لهم: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا، قبل كذا وبعد كذا ... " 2 كما كان سائر الصحابة يكتبون لأنفسهم مثل ذلك، متحرين الدقة والأمانة في كل ما يقرءون أو يكتبون: فكانوا إذا تماروا3 في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، وفي رواية: على رأس ثلاث ليال، فيبعث إليه من المدينة، فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آية كذا وكذا؟

فيقول: كذا وكذا. فيكتبون كما قال4.

وكانوا يكتبون ذلك على عسب السعف -وهو الطرف العريض من جريد النخل- والألواح من أكتاف الغنم وغيرها من العظام الطاهرة، والرقاع -وهي الجلود- واللخاف -وهي الحجارة العريضة البيض التي تشبه الألواح- وغير ذلك من الوسائل التي كانت متيسرة حينذاك.

ولم يلحق الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى إلا والقرآن كله محفوظ في صدره وبعض الصحابة -رضي الله عنهم- ومكتوب في السطور، حسب الطريقة التي أشرنا إليها، غير أنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، ولا مرتبَ السور، ولكن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يعرفون ترتيبها حسبما بين لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

ولعل الحكمة في ذلك هي: أن القرآن كان لا يزال ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ما قبل وفاته بأيام، وكانت هناك آيات تنزل بنسخ بعض الآيات الأخرى، فلو أمر -صلى الله عليه وسلم- بجمعه وترتيبه، لأدى ذلك إلى الاختلاف والاختلاط فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، حتى جمع في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه1.

ولما كثرت الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه- وكان أهل كل بلد يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، وكانوا حينما يلتقون في بعض المجامع ينكر بعضهم على بعض ما يسمعونه من وجوه القراءات التي لم يتلقوها، وكادت تحدث فتنة، فتدارك "عثمان" هذا الأمر، وأمر بنسخ مصاحف متعددة من المصحف الذي جمع في عهد الخليفة الأول "أبي بكر" -رضي الله عنه- وأرسل هذه المصاحف إلى الأمصار المختلفة.

وقد كتبت هذه المصاحف بطريقة تخالف الرسم الإملائي في بعض الكلمات كما سنبين ذلك -إن شاء الله تعالى- فأطلق على هذا الرسم "الرسم العثماني" نسبة إلى "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه.

ولما كثر الداخلون في الإسلام -من غير العرب- في عهد معاوية بن أبي سفيان" -رضي الله عنه- وتفشى اللحن في الكلام العربي، وخشي أن يتطرق اللحن إلى القرآن الكريم، اقتضى الأمر وضع علامات تساعد على النطق السليم، دون المساس بالرسم العثماني، وأطلق على هذه العلامات: نقط الإعراب ونقط الإعجام -كما سيأتي.



يوضِّح المؤلفُ في هذا البحث موقف العلماء من قضية رسم المصحف وضبطه، وهل كتابة المصحف بالرسم العثماني توقيفية لا يجوز مُخالفتها، أو أنها ليست توقيفية، فيجوز الاجتهاد فيها، وكتابة المصحف بما يتَّفق وقواعد الإملاء الحديثة؟ ويشتمل البحثُ على النقاط التالية: - الكتابة العربية وعلاقتها بالرسم العثماني. - جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه: أسبابه وطبيعته.

- نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه: أسبابه وطبيعته. - عدد المصاحف التي أرسلها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار. - كيفية اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة. - ظواهر الرسم العثماني وموقف العلماء منه. - هل الرسم العثماني توقيفي أو اصطلاحي؟ - قرارات المجامع الفقهية حول قضية الرسم العثماني. - الضبط: مفهومه وأسبابه. - تقسيم المصحف وأسبابه.

.
المزيد..

تعليقات القرّاء:

رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة من علوم القرآن تحميل مباشر :
الكتاب
نسخة للشاملة

رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة من علوم القرآن 
 رسم المصحف
الكاتب:  شعبان محمد إسماعيل
الناشر: دار السلام

القرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة من عند الله تعالى لهداية الخلق، وإرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم.

إنه -مع السنة النبوية الشريفة- منهج الله تعالى في صورته الأخيرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ولما كانت الكتب السابقة موقوتة بوقت محدد، وبأناس معينين، فقد شاء الله تعالى أن ينالها التحريف والتبديل، حتى يكون ذلك دليلا على عدم صلاحيتها للاستمرار والدوام.

ومن هنا تكفل الحق -تبارك وتعالى- بحفظ القرآن الكريم من أن يناله ما نال الكتب السابقة من هذا التحريف.

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1 كما هيأ -جل شأنه- الأمة التي شرفت بنزول القرآن إليها أن تتحمل مسئولية الحفاظ على هذا الكتاب المجيد، باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وأنها تأتي يوم القيامة شاهدة على الأمم السابقة وما فعلت مع أنبياء الله تعالى ورسله، وما غيرت وحرفت من منهج الله تعالى.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 2، 3.

فمنذا بدأ نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صلى الله عليه وسلم يتلقى ما يوحى إليه من

ربه -جل وعلا- فيحفظه ويعيه، ثم يبلغه لأصحابه -رضي الله عنهم- فيحفظونه كذلك، ويحفظونه لغيرهم كما سمعوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجودا مرتلا، عملا بتوجيه الله تعالى في قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} 1.

ومع أن الأمة العربية التي شرفت بنزول القرآن الكريم بلغتها كانت تعتمد على الحفظ أكثر من اعتمادها على الكتابة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -زيادة في التوثيق- اتخذ له كُتَّابا يكتبون له ما ينزل به الوحي، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن الوليد، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم جميعا.

فكان كلما نزلت آية أو آيات أمرهم -صلى الله عليه وسلم- بكتابتها، بعد أن يدلهم على موضعها من السورة، فيقول لهم: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا، قبل كذا وبعد كذا ... " 2 كما كان سائر الصحابة يكتبون لأنفسهم مثل ذلك، متحرين الدقة والأمانة في كل ما يقرءون أو يكتبون: فكانوا إذا تماروا3 في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، وفي رواية: على رأس ثلاث ليال، فيبعث إليه من المدينة، فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آية كذا وكذا؟

فيقول: كذا وكذا. فيكتبون كما قال4.

وكانوا يكتبون ذلك على عسب السعف -وهو الطرف العريض من جريد النخل- والألواح من أكتاف الغنم وغيرها من العظام الطاهرة، والرقاع -وهي الجلود- واللخاف -وهي الحجارة العريضة البيض التي تشبه الألواح- وغير ذلك من الوسائل التي كانت متيسرة حينذاك.

ولم يلحق الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى إلا والقرآن كله محفوظ في صدره وبعض الصحابة -رضي الله عنهم- ومكتوب في السطور، حسب الطريقة التي أشرنا إليها، غير أنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، ولا مرتبَ السور، ولكن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يعرفون ترتيبها حسبما بين لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

ولعل الحكمة في ذلك هي: أن القرآن كان لا يزال ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ما قبل وفاته بأيام، وكانت هناك آيات تنزل بنسخ بعض الآيات الأخرى، فلو أمر -صلى الله عليه وسلم- بجمعه وترتيبه، لأدى ذلك إلى الاختلاف والاختلاط فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، حتى جمع في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه1.

ولما كثرت الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه- وكان أهل كل بلد يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، وكانوا حينما يلتقون في بعض المجامع ينكر بعضهم على بعض ما يسمعونه من وجوه القراءات التي لم يتلقوها، وكادت تحدث فتنة، فتدارك "عثمان" هذا الأمر، وأمر بنسخ مصاحف متعددة من المصحف الذي جمع في عهد الخليفة الأول "أبي بكر" -رضي الله عنه- وأرسل هذه المصاحف إلى الأمصار المختلفة.

وقد كتبت هذه المصاحف بطريقة تخالف الرسم الإملائي في بعض الكلمات كما سنبين ذلك -إن شاء الله تعالى- فأطلق على هذا الرسم "الرسم العثماني" نسبة إلى "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه.

ولما كثر الداخلون في الإسلام -من غير العرب- في عهد معاوية بن أبي سفيان" -رضي الله عنه- وتفشى اللحن في الكلام العربي، وخشي أن يتطرق اللحن إلى القرآن الكريم، اقتضى الأمر وضع علامات تساعد على النطق السليم، دون المساس بالرسم العثماني، وأطلق على هذه العلامات: نقط الإعراب ونقط الإعجام -كما سيأتي.

يوضِّح المؤلفُ في هذا البحث موقف العلماء من قضية رسم المصحف وضبطه، وهل كتابة المصحف بالرسم العثماني توقيفية لا يجوز مُخالفتها، أو أنها ليست توقيفية، فيجوز الاجتهاد فيها، وكتابة المصحف بما يتَّفق وقواعد الإملاء الحديثة؟ ويشتمل البحثُ على النقاط التالية: - الكتابة العربية وعلاقتها بالرسم العثماني. - جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه: أسبابه وطبيعته. 

- نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه: أسبابه وطبيعته. - عدد المصاحف التي أرسلها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار. - كيفية اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة. - ظواهر الرسم العثماني وموقف العلماء منه. - هل الرسم العثماني توقيفي أو اصطلاحي؟ - قرارات المجامع الفقهية حول قضية الرسم العثماني. - الضبط: مفهومه وأسبابه. - تقسيم المصحف وأسبابه.

 رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة
تحميل الميسر في علم رسم المصحف وضبطه pdf

علم الرسم والضبط

قواعد رسم المصحف

رسم المصحف ونقطه pdf

رسم المصحف غانم قدوري الحمد pdf



سنة النشر : 2012م / 1433هـ .
حجم الكتاب عند التحميل : 2.1 ميجا بايت .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:


شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

المؤلف:
شعبان محمد إسماعيل - Sha'ban Muhammad Ismail

كتب شعبان محمد إسماعيل الشيخ المقرئ شعبان محمد إسماعيل*ولد في محافظة الشرقية بجمهورية مصر العربية سنة 1359 هــ 1939م*حفظ القرآن الكريم وجوّده, ثم التحق بالأزهر فدرس في معهد القراءات حتى حصل على شهادة (التخصص) في القراءات وعلوم القرآ❰ له مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة ❝ ❞ المدخل لدراسة القرآن والسنة والعلوم الإسلامية ❝ ❞ الأحرف السبعة والقراءات وما أثير حولها من شبهات ❝ ❞ نظرية النسخ في الشرائع السماوية ❝ ❞ الإسلام وموقفه من الشرائع السابقة ❝ الناشرين : ❞ مكتبة الملك فهد الوطنية ❝ ❞ دار الفكر للطباعة والنشر بسوريا ❝ ❞ دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ❝ ❞ دار الأنصار ❝ ❱. المزيد..

كتب شعبان محمد إسماعيل
الناشر:
دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
كتب دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمةدار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة دار نشر عربية أسسها عبد القادر البكار عام 1973م بـ مدينة حلب في سوريا، واستمرت بها حتى عام 1980م، ثم انتقلت إلى القاهرة مصر من هذا التاريخ، بدأت بمقر للإدارة تلاه افتتاح مكتبة للبيع كفرع أول لها بـ شارع الأزهر، تبعه فرع ثان بشارع مصطفى النحاس في مدينة نصر، ثم تبعه لاحقًا الفرع الثالث في مدينة الإسكندرية. . ❰ ناشرين لمجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ فى قلبى أنثى عبرية ❝ ❞ أنتيخريستوس (الجزء الأول) ❝ ❞ روضة المحبين ونزهة المشتاقين ❝ ❞ مدارج السالكين (ط. العلمية) ❝ ❞ تربية الأولاد في الإسلام ❝ ❞ شخصية المرأة المسلمة ❝ ❞ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان = تفسير السعدي (ط. دار السلام) ❝ ❞ الإدارة في عصر الرسول ❝ ❞ شرح بداية المجتهد ونهاية المقتصد وبهامشه السبيل المرشد ❝ ❞ جمالية الدين معارج القلب إلى حياة الروح ❝ ومن أبرز المؤلفين : ❞ محمد بن صالح العثيمين ❝ ❞ محمد ابن قيم الجوزية ❝ ❞ أحمد خالد مصطفى ❝ ❞ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ❝ ❞ خولة حمدى ❝ ❞ محمد ناصر الدين الألباني ❝ ❞ أبو الحسن علي الحسني الندوي ❝ ❞ أبو زكريا يحي بن شرف النووي ❝ ❞ مجموعة من المؤلفين ❝ ❞ فاضل صالح السامرائي ❝ ❞ صفي الرحمن المباركفوري ❝ ❞ عبد الله محمد عبيد البغدادي أبو بكر ابن أبي الدنيا ❝ ❞ عبد الكريم بكار ❝ ❞ فريد الأنصاري ❝ ❞ مصطفى السباعي ❝ ❞ محمد عمارة ❝ ❞ محمد الطاهر بن عاشور ❝ ❞ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ❝ ❞ آمال عطية ❝ ❞ ناصر بن عبد الكريم العقل ❝ ❞ عبد الله ناصح علوان ❝ ❞ محمد علي الهاشمي ❝ ❞ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ❝ ❞ محمد سليمان عبد الله الأشقر ❝ ❞ محمد بن عبد العزيز المسند ❝ ❞ الحارث المحاسبي ❝ ❞ سعيد حوى ❝ ❞ د.زينب عبدالعزيز ❝ ❞ محمد العریفی ❝ ❞ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ❝ ❞ محمد إقبال كيلاني ❝ ❞ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري أبو الحسين ❝ ❞ عبد الشافي محمد عبد اللطيف ❝ ❞ هدى درويش ❝ ❞ عبد الوهاب عبد السلام طويلة ❝ ❞ محمد بن أحمد بن رشد الحفيد ❝ ❞ د.أحمد البراء الأميري ❝ ❞ أحمد عادل كمال ❝ ❞ شعبان محمد إسماعيل ❝ ❞ محمد نبيل كاظم ❝ ❞ حافظ صلاح الدین یوسف ❝ ❞ عبدالله بن محمد المعتاز ❝ ❞ محمد عوامة ❝ ❞ د. محمود زيادة ❝ ❞ محمد أبو الفتح البيانوني ❝ ❞ حافظ أحمد عجاج كرمي ❝ ❞ د. غسان حمدون ❝ ❞ أحمد بن محمد بن جعفر البغدادي القدوري أبو الحسين ❝ ❞ مغلطاي بن قليج ❝ ❞ أحمد عبد الرحيم السايح ❝ ❞ محمد حسن عبد العزيز ❝ ❞ حافظ ابن حجر عسقلانی ❝ ❞ مصطفي طوران ❝ ❞ عبد العزيز الخياط ❝ ❞ الشيخ حسن أيوب ❝ ❞ علاء الدين مغلطاي أبو عبد الله ❝ ❞ Izzath Uroosa ❝ ❞ مبارك البراك ❝ ❞ وائل عادل الصلوي ❝ ❞ د. حافظ أحمد عجاج الكرمي ❝ ❞ محمد نعيم ساعي ❝ ❞ محمد راكان الدغمي ❝ ❞ محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد ناظر الجيش ❝ ❞ علي شواخ إسحق ❝ ❞ أحمد محمد كنعان ❝ ❞ د. صفوت مصطفى خليلوفيتش ❝ ❞ رمضان حافظ عبدالرحمن ❝ ❞ د. عبد العزيز وعزت الخياط ❝ ❞ صهيب محمود السقار ❝ ❞ ياسر عبدالله علوان ❝ ❞ أحمد بن الحسين بن الخباز ❝ ❞ عائشة يوسف المناعي ❝ ❞ غازي عزير ❝ ❞ غياث الدين أبو محمد بن غانم بن محمد البغدادي ❝ ❞ مهاتما غاندي ❝ ❞ أبو عبد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي بدر الدين ❝ ❞ آلكس وولف ❝ ❞ جورج نبيل ❝ ❞ آنيتا لوغري ❝ ❱.المزيد.. كتب دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة