❞ كتاب تأسيس عمر بن الخطاب للديوان ❝  ⏤ مصطفى فايدة

❞ كتاب تأسيس عمر بن الخطاب للديوان ❝ ⏤ مصطفى فايدة

تعد المؤسسة الإدارية أو النظام الإداري الذي أسسه عمر بن الخطاب، النواة الأساسية لكيان الأمة الإسلامية الاجتماعي والسياسي في عهده، وأول أشكال الإدارة العربية الجديدة المتأثرة بالتجربة المتقدمة لشعوب البلدان المفتوحة أو المجاورة لها، وقد كان ذلك أحد أبرز الدوافع التي ساهمت في خلق إدارة مالية تعمل على تنظيم عائدات الخلافة، وتوزيعها وفق جداول ثابتة على نحو تخرج معه هذه المؤسسة من دائرتها الضيقة في الإطار العام الشامل، وذلك في ما يعرف بالديوان.

وكلمة ديوان فارسية معربة معناها "السجل أو الجدول"، على أن للكلمة مضمونًا أوسع في اللغة العربية، حيث يصبح الديوان مترادفًا مع الجهاز الإداري المنوط به تنفيذ أعمال الدولة الإدارية والمالية والعسكرية، كما تطلق هذه الكلمة على المكان الذي تحفظ فيه سجلات الدولة، ثم صارت تطلق على الأمكنة التي يجلس فيها أفراد الجهاز الإداري، ولم تتعدى في عهد عمر معناها الأول، فالديوان هو سجل أحصي فيه من فرض لهم العطاء من رجال الجيش ومن غيرهم، وذكر فيه أمام كل اسم عطاء صاحبه.

تتباين روايات المصادر في توضيح أسباب وظروف وضع ديوان العطاء على يد عمر بن الخطاب، وكذلك يتم تقديم عدة تواريخ لوضعه، ولكن بما أن وظيفة الديوان وبنيته وطابعه ترتبط بظروف نشأته وتأسيسه، فلابد لنا من البحث عن السنة الفعلية التي اتخذ فيها الخليفة قراره بوضع الديوان، وتذكر المصادر تاريخين يمكن أخذها على محمل الجد، والاهتمام والبحث في ملابساتهما.

جميع الروايات تتفق حول نقطة جوهرية، وهي أن كثرة تدفق الأموال على المدينة المنورة من فتوح الأمصار، كانت السبب الذي دعا عمر إلى وضع الديوان.

المعروف أن السنوات الثلاث الأولى من خلافة عمر أي ببين سنة "14 – 16هـ / 635 - 637م"، اتسمت بطابع الغزوات التقليدية، حيث كانت الغنائم توزع بالتساوي على القوى المقاتلة بعد رفع الخمس للخليفة، ولهذا لم تكن هناك حاجة إلى القيام بتأسيس نظام لتوزيع وإدارة الفيء المكتسب والأموال المغنومة. وتنامت مع المدة منذ بدايات الغزو المنسق للفتوح والاستقرار، أي منذ عام "17هـ / 638م"، كمية الأموال المخموسة المتدفقة على المدينة، تناميًا شديدًا، نتيجة فتوح أراضي الفرس والبيزنطيين، وكانت مقدارًا عظيمًا.

يميز "الماوردي" بين ديوان العطاء الذي أنشأه عمر بن الخطاب وبين ديوان الجباية، ويحذر من الخلط بينهما "وأما ديوان الاستيفاء، وجباية الأموال فجرى هذا الأمر فيه بعد ظهور الإسلام بالشام والعراق، على ما كان عليه من قبل، فكان ديوان الشام بالرومية؛ لأنه كان من ممالك الروم، وكان ديوان العراق بالفارسية؛ لأنه كان من ممالك الفرس، فلم يزل أمرهما جاريًا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشام إلى العربية سنة إحدى وثمانين هجرية".

ويشير "ابن خلدون" إلى ضرورة التمييز بين الدواوين، مؤكدًا أن ديوان عمر كان ديوانًا داخليًا عربيًا لا علاقة له بمسائل تنظيم وجمع الضرائب من السكان والفلاحين، وهو كان مبدأ ديوان الجيش، فإنه كان ديوانًا للقبائل من أجل إيصال حقوقها إليها، وأما ديوان الجباية فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل، ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية، وكتاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين.

والمعروف أن هذا الديوان بقي لا علاقة له مطلقًا بديوان عمر "العطاء" الذي دخل لاحقًا في ديوان الجيش، ويذكر بأن ديوان مصر كان يكتب بالقبطية، ويتولى هذا الديوان موظفون أقباط. أما شئون ضبط الخراج وجمعه وتنظيمه فبقيت من صلاحيات الدواوين الفارسية والبيزنطية المحلية، ويبدو أن العرفاء وأمراء الأجناد كانوا الوسطاء الشخصيين بين هذه الدواوين المحلية، وبين المسلمين الفاتحين، وهم الذين كانوا يأخذون سنويًا الأموال المجموعة من قبل هذه الدواوين المحلية، ويقومون بتوزيعها ضمن إطار العرافة، وعلى أرضية ديوان عمر على الناس والقبائل

وأنشأ « عمر »، بيت المال، ولم يكن موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر، حيث قضت سياستهما بتوزيع ما يأتي من الأخماس وأموال الزكاة إلى المدينة على من فيها، وقد رفض عمر في بادئ الأمر الخروج على هذه السياسة، فعندما قال له أحد المسلمين: "يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان، فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ما أمرنا الله ورسوله: طاعة الله ورسوله، فهما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم". ويبدو أن كثرة موارد الدولة المالية بعد استقرار الفتوح، دفعت عمر إلى تغيير سياسته، ووافق على تأسيس بيت للمال يحفظ فيه الأموال الفائضة عن أعطيات الجند، والإنفاق الضروري على مصالح المسلمين.

وتعددت موارد بيت المال من الزكاة والصدقات والجزية والعشور والخراج، وكانت هذه الأخيرة على جانب كبير من الأهمية، وبخاصة بعد قرار الخليفة بإبقاء الأراضي الزراعية في أيدي أصحابها المحليين، مما ساهم في توفير مناخ مشجع للاستقرار في البلاد المفتوحة من جهة، ودعم عائدات الدولة المالية من جهة أخرى، وكان هذا القرار معبرًا عن نظرة الخليفة البعيدة للوصول إلى تحقيق الانصهار والتلاحم بين مجتمعات هذه البلدان وبين المسلمين الفاتحين، لا سيما وأن هؤلاء لم تكن لديهم التجربة الزراعية الكافية للقيام بهذا الدور.

وكان يجري تسجيل هذه المصادر المالية في بيت المال تحت إشراف جهاز ينتدبه الخليفة لهذه المهمة، وفي مقدمته المسئول الأول الذي صار يعرف بـ"صاحب بيت المال"، وكانت عملية التوزيع تأخذ شكلها المنظم الذي يتعدى الهبة أو المكافأة، إلى الرواتب المستقرة أو إلى إعطاء، فضلًا عن الأموال المحمولة بأمر الخليفة في مشاريع ذات خصائص عامة . مصطفى فايدة - ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ تأسيس عمر بن الخطاب للديوان ❝ ❱
من كتب السياسة الشرعية كتب إسلامية متنوعة - مكتبة الكتب و الموسوعات العامة.

نبذة عن الكتاب:
تأسيس عمر بن الخطاب للديوان

1997م - 1444هـ
تعد المؤسسة الإدارية أو النظام الإداري الذي أسسه عمر بن الخطاب، النواة الأساسية لكيان الأمة الإسلامية الاجتماعي والسياسي في عهده، وأول أشكال الإدارة العربية الجديدة المتأثرة بالتجربة المتقدمة لشعوب البلدان المفتوحة أو المجاورة لها، وقد كان ذلك أحد أبرز الدوافع التي ساهمت في خلق إدارة مالية تعمل على تنظيم عائدات الخلافة، وتوزيعها وفق جداول ثابتة على نحو تخرج معه هذه المؤسسة من دائرتها الضيقة في الإطار العام الشامل، وذلك في ما يعرف بالديوان.

وكلمة ديوان فارسية معربة معناها "السجل أو الجدول"، على أن للكلمة مضمونًا أوسع في اللغة العربية، حيث يصبح الديوان مترادفًا مع الجهاز الإداري المنوط به تنفيذ أعمال الدولة الإدارية والمالية والعسكرية، كما تطلق هذه الكلمة على المكان الذي تحفظ فيه سجلات الدولة، ثم صارت تطلق على الأمكنة التي يجلس فيها أفراد الجهاز الإداري، ولم تتعدى في عهد عمر معناها الأول، فالديوان هو سجل أحصي فيه من فرض لهم العطاء من رجال الجيش ومن غيرهم، وذكر فيه أمام كل اسم عطاء صاحبه.

تتباين روايات المصادر في توضيح أسباب وظروف وضع ديوان العطاء على يد عمر بن الخطاب، وكذلك يتم تقديم عدة تواريخ لوضعه، ولكن بما أن وظيفة الديوان وبنيته وطابعه ترتبط بظروف نشأته وتأسيسه، فلابد لنا من البحث عن السنة الفعلية التي اتخذ فيها الخليفة قراره بوضع الديوان، وتذكر المصادر تاريخين يمكن أخذها على محمل الجد، والاهتمام والبحث في ملابساتهما.

جميع الروايات تتفق حول نقطة جوهرية، وهي أن كثرة تدفق الأموال على المدينة المنورة من فتوح الأمصار، كانت السبب الذي دعا عمر إلى وضع الديوان.

المعروف أن السنوات الثلاث الأولى من خلافة عمر أي ببين سنة "14 – 16هـ / 635 - 637م"، اتسمت بطابع الغزوات التقليدية، حيث كانت الغنائم توزع بالتساوي على القوى المقاتلة بعد رفع الخمس للخليفة، ولهذا لم تكن هناك حاجة إلى القيام بتأسيس نظام لتوزيع وإدارة الفيء المكتسب والأموال المغنومة. وتنامت مع المدة منذ بدايات الغزو المنسق للفتوح والاستقرار، أي منذ عام "17هـ / 638م"، كمية الأموال المخموسة المتدفقة على المدينة، تناميًا شديدًا، نتيجة فتوح أراضي الفرس والبيزنطيين، وكانت مقدارًا عظيمًا.

يميز "الماوردي" بين ديوان العطاء الذي أنشأه عمر بن الخطاب وبين ديوان الجباية، ويحذر من الخلط بينهما "وأما ديوان الاستيفاء، وجباية الأموال فجرى هذا الأمر فيه بعد ظهور الإسلام بالشام والعراق، على ما كان عليه من قبل، فكان ديوان الشام بالرومية؛ لأنه كان من ممالك الروم، وكان ديوان العراق بالفارسية؛ لأنه كان من ممالك الفرس، فلم يزل أمرهما جاريًا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشام إلى العربية سنة إحدى وثمانين هجرية".

ويشير "ابن خلدون" إلى ضرورة التمييز بين الدواوين، مؤكدًا أن ديوان عمر كان ديوانًا داخليًا عربيًا لا علاقة له بمسائل تنظيم وجمع الضرائب من السكان والفلاحين، وهو كان مبدأ ديوان الجيش، فإنه كان ديوانًا للقبائل من أجل إيصال حقوقها إليها، وأما ديوان الجباية فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل، ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية، وكتاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين.

والمعروف أن هذا الديوان بقي لا علاقة له مطلقًا بديوان عمر "العطاء" الذي دخل لاحقًا في ديوان الجيش، ويذكر بأن ديوان مصر كان يكتب بالقبطية، ويتولى هذا الديوان موظفون أقباط. أما شئون ضبط الخراج وجمعه وتنظيمه فبقيت من صلاحيات الدواوين الفارسية والبيزنطية المحلية، ويبدو أن العرفاء وأمراء الأجناد كانوا الوسطاء الشخصيين بين هذه الدواوين المحلية، وبين المسلمين الفاتحين، وهم الذين كانوا يأخذون سنويًا الأموال المجموعة من قبل هذه الدواوين المحلية، ويقومون بتوزيعها ضمن إطار العرافة، وعلى أرضية ديوان عمر على الناس والقبائل

وأنشأ « عمر »، بيت المال، ولم يكن موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر، حيث قضت سياستهما بتوزيع ما يأتي من الأخماس وأموال الزكاة إلى المدينة على من فيها، وقد رفض عمر في بادئ الأمر الخروج على هذه السياسة، فعندما قال له أحد المسلمين: "يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان، فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ما أمرنا الله ورسوله: طاعة الله ورسوله، فهما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم". ويبدو أن كثرة موارد الدولة المالية بعد استقرار الفتوح، دفعت عمر إلى تغيير سياسته، ووافق على تأسيس بيت للمال يحفظ فيه الأموال الفائضة عن أعطيات الجند، والإنفاق الضروري على مصالح المسلمين.

وتعددت موارد بيت المال من الزكاة والصدقات والجزية والعشور والخراج، وكانت هذه الأخيرة على جانب كبير من الأهمية، وبخاصة بعد قرار الخليفة بإبقاء الأراضي الزراعية في أيدي أصحابها المحليين، مما ساهم في توفير مناخ مشجع للاستقرار في البلاد المفتوحة من جهة، ودعم عائدات الدولة المالية من جهة أخرى، وكان هذا القرار معبرًا عن نظرة الخليفة البعيدة للوصول إلى تحقيق الانصهار والتلاحم بين مجتمعات هذه البلدان وبين المسلمين الفاتحين، لا سيما وأن هؤلاء لم تكن لديهم التجربة الزراعية الكافية للقيام بهذا الدور.

وكان يجري تسجيل هذه المصادر المالية في بيت المال تحت إشراف جهاز ينتدبه الخليفة لهذه المهمة، وفي مقدمته المسئول الأول الذي صار يعرف بـ"صاحب بيت المال"، وكانت عملية التوزيع تأخذ شكلها المنظم الذي يتعدى الهبة أو المكافأة، إلى الرواتب المستقرة أو إلى إعطاء، فضلًا عن الأموال المحمولة بأمر الخليفة في مشاريع ذات خصائص عامة .
.
المزيد..

تعليقات القرّاء:

 

تعد المؤسسة الإدارية أو النظام الإداري الذي أسسه عمر بن الخطاب، النواة الأساسية لكيان الأمة الإسلامية الاجتماعي والسياسي في عهده، وأول أشكال الإدارة العربية الجديدة المتأثرة بالتجربة المتقدمة لشعوب البلدان المفتوحة أو المجاورة لها، وقد كان ذلك أحد أبرز الدوافع التي ساهمت في خلق إدارة مالية تعمل على تنظيم عائدات الخلافة، وتوزيعها وفق جداول ثابتة على نحو تخرج معه هذه المؤسسة من دائرتها الضيقة في الإطار العام الشامل، وذلك في ما يعرف بالديوان.

وكلمة ديوان فارسية معربة معناها "السجل أو الجدول"، على أن للكلمة مضمونًا أوسع في اللغة العربية، حيث يصبح الديوان مترادفًا مع الجهاز الإداري المنوط به تنفيذ أعمال الدولة الإدارية والمالية والعسكرية، كما تطلق هذه الكلمة على المكان الذي تحفظ فيه سجلات الدولة، ثم صارت تطلق على الأمكنة التي يجلس فيها أفراد الجهاز الإداري، ولم تتعدى في عهد عمر معناها الأول، فالديوان هو سجل أحصي فيه من فرض لهم العطاء من رجال الجيش ومن غيرهم، وذكر فيه أمام كل اسم عطاء صاحبه.

تتباين روايات المصادر في توضيح أسباب وظروف وضع ديوان العطاء على يد عمر بن الخطاب، وكذلك يتم تقديم عدة تواريخ لوضعه، ولكن بما أن وظيفة الديوان وبنيته وطابعه ترتبط بظروف نشأته وتأسيسه، فلابد لنا من البحث عن السنة الفعلية التي اتخذ فيها الخليفة قراره بوضع الديوان، وتذكر المصادر تاريخين يمكن أخذها على محمل الجد، والاهتمام والبحث في ملابساتهما.

جميع الروايات تتفق حول نقطة جوهرية، وهي أن كثرة تدفق الأموال على المدينة المنورة من فتوح الأمصار، كانت السبب الذي دعا عمر إلى وضع الديوان.

المعروف أن السنوات الثلاث الأولى من خلافة عمر أي ببين سنة "14 – 16هـ / 635 - 637م"، اتسمت بطابع الغزوات التقليدية، حيث كانت الغنائم توزع بالتساوي على القوى المقاتلة بعد رفع الخمس للخليفة، ولهذا لم تكن هناك حاجة إلى القيام بتأسيس نظام لتوزيع وإدارة الفيء المكتسب والأموال المغنومة. وتنامت مع المدة منذ بدايات الغزو المنسق للفتوح والاستقرار، أي منذ عام "17هـ / 638م"، كمية الأموال المخموسة المتدفقة على المدينة، تناميًا شديدًا، نتيجة فتوح أراضي الفرس والبيزنطيين، وكانت مقدارًا عظيمًا.

يميز "الماوردي" بين ديوان العطاء الذي أنشأه عمر بن الخطاب وبين ديوان الجباية، ويحذر من الخلط بينهما "وأما ديوان الاستيفاء، وجباية الأموال فجرى هذا الأمر فيه بعد ظهور الإسلام بالشام والعراق، على ما كان عليه من قبل، فكان ديوان الشام بالرومية؛ لأنه كان من ممالك الروم، وكان ديوان العراق بالفارسية؛ لأنه كان من ممالك الفرس، فلم يزل أمرهما جاريًا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشام إلى العربية سنة إحدى وثمانين هجرية".

ويشير "ابن خلدون" إلى ضرورة التمييز بين الدواوين، مؤكدًا أن ديوان عمر كان ديوانًا داخليًا عربيًا لا علاقة له بمسائل تنظيم وجمع الضرائب من السكان والفلاحين، وهو كان مبدأ ديوان الجيش، فإنه كان ديوانًا للقبائل من أجل إيصال حقوقها إليها، وأما ديوان الجباية فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل، ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية، وكتاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين.

والمعروف أن هذا الديوان بقي لا علاقة له مطلقًا بديوان عمر "العطاء" الذي دخل لاحقًا في ديوان الجيش، ويذكر بأن ديوان مصر كان يكتب بالقبطية، ويتولى هذا الديوان موظفون أقباط. أما شئون ضبط الخراج وجمعه وتنظيمه فبقيت من صلاحيات الدواوين الفارسية والبيزنطية المحلية، ويبدو أن العرفاء وأمراء الأجناد كانوا الوسطاء الشخصيين بين هذه الدواوين المحلية، وبين المسلمين الفاتحين، وهم الذين كانوا يأخذون سنويًا الأموال المجموعة من قبل هذه الدواوين المحلية، ويقومون بتوزيعها ضمن إطار العرافة، وعلى أرضية ديوان عمر على الناس والقبائل

وأنشأ « عمر »، بيت المال، ولم يكن موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر، حيث قضت سياستهما بتوزيع ما يأتي من الأخماس وأموال الزكاة إلى المدينة على من فيها، وقد رفض عمر في بادئ الأمر الخروج على هذه السياسة، فعندما قال له أحد المسلمين: "يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان، فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ما أمرنا الله ورسوله: طاعة الله ورسوله، فهما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم". ويبدو أن كثرة موارد الدولة المالية بعد استقرار الفتوح، دفعت عمر إلى تغيير سياسته، ووافق على تأسيس بيت للمال يحفظ فيه الأموال الفائضة عن أعطيات الجند، والإنفاق الضروري على مصالح المسلمين.

وتعددت موارد بيت المال من الزكاة والصدقات والجزية والعشور والخراج، وكانت هذه الأخيرة على جانب كبير من الأهمية، وبخاصة بعد قرار الخليفة بإبقاء الأراضي الزراعية في أيدي أصحابها المحليين، مما ساهم في توفير مناخ مشجع للاستقرار في البلاد المفتوحة من جهة، ودعم عائدات الدولة المالية من جهة أخرى، وكان هذا القرار معبرًا عن نظرة الخليفة البعيدة للوصول إلى تحقيق الانصهار والتلاحم بين مجتمعات هذه البلدان وبين المسلمين الفاتحين، لا سيما وأن هؤلاء لم تكن لديهم التجربة الزراعية الكافية للقيام بهذا الدور.

وكان يجري تسجيل هذه المصادر المالية في بيت المال تحت إشراف جهاز ينتدبه الخليفة لهذه المهمة، وفي مقدمته المسئول الأول الذي صار يعرف بـ"صاحب بيت المال"، وكانت عملية التوزيع تأخذ شكلها المنظم الذي يتعدى الهبة أو المكافأة، إلى الرواتب المستقرة أو إلى إعطاء، فضلًا عن الأموال المحمولة بأمر الخليفة في مشاريع ذات خصائص عامة .
 

تأسيس عمر بن الخطاب للديوان من السياسة الشرعية والأحكام السلطانية تحميل مباشر :
 



سنة النشر : 1997م / 1418هـ .
حجم الكتاب عند التحميل : 2.4 ميجا بايت .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة تأسيس عمر بن الخطاب للديوان

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل تأسيس عمر بن الخطاب للديوان
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

المؤلف:
مصطفى فايدة -

كتب مصطفى فايدة ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ تأسيس عمر بن الخطاب للديوان ❝ ❱. المزيد..

كتب مصطفى فايدة