❞ كتاب الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء السابع ) ❝  ⏤ محمد نصر الدين محمد عويضة

❞ كتاب الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء السابع ) ❝ ⏤ محمد نصر الدين محمد عويضة

كان ظهور الدعوة الإسلامية حدثاً عظيمًا، وتحولاً بارزًا وضخما في تاريخ الإنسانية، حيث بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، وبعد أن كان الناس في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبعد أن أسِنَت الحياة وفسدت بما ضلَّ الناس طريق الله رب العالمين، وصراطَه المستقيم.

ولقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم برسالته من رب العالمين، وقد أُمِر بإعلانها وتبليغها، فلم يسعْه إلا القيام بما أمره به ربه: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94]، ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67]، فقام البشير النذير صلى الله عليه وسلم يدعو بدين الله، فطرق مسامعَ البشرية صوتُ هذا الداعي الجديد، وأقبل الناس ينظرون ما الأمر، فكان منهم من شرح الله صدره للإسلام، فكان على نور من ربه، ومنهم من أعرض واستكبر ونأى بجانبه، وولى وأدبر، واتبع هواه، وحارب دعوة الله، فصار للدعوة مناوئون، كما كان لها ممالئون، فأنصارها يدعون إليها ويذودون عنها، وأعداؤها يحاربونها ويصدون الناس عن طريقها.

ومنذ ذلك الحين أهَلَّ على الخَطابة زمان جديد، كان إيذاناً بارتقائها وعلوِّ شأنها، فقد اعتمدت الدعوة الجديدة على الخَطابة في نشرها، والدفاع عن مبادئها ضد خصومها، وكذلك صنع المناوئون لها، ثم إن الإسلام بالإضافة إلى اعتماده على الخَطابة في نشر الدعوة، قد جعلها ضمن الشعائر التعبدية، ففرض خطبة كل يوم جمعة، لا تصح الصلاة بدونها، كما أن هناك الخطبَ المشروعة في الحج، وفي الاستسقاء، وفي الخسوف والكسوف، وفي الزواج، والجهاد وغيرها، كما أن الشريعة الإسلامية تحث دائما على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإسداء النصح للآخرين.

ولقد ارتقت الخَطابة في ظل الدعوة الإسلامية، وبلغت الغاية في الكمال مظهرًا وجوهرًا، أو أداءً ومضمونًا، وكان من أكبر عوامل ارتقائها وسموها؛ استمدادها من القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتأثّر الخطباء ببلاغة وفصاحة القرآن والحديث النبوي الشريف.

وقد ذكر ابن خلدون أن كلام العرب الذين أدركوا الإسلام قد فاق كلام الجاهليين، في الشعر، وفي النثر بأنواعه من خطابة وكتابة ومحاورة ونحوها، وأن ذلك كله قد أتى أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من منظوم الجاهليين ومنثورهم، ثم قال:

والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث، اللذيْنِ عجز البشر عن الإتيان بمثليْهما، لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم، فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية، ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها، فكان كلامهم في نَظْمهم ونثرهم أحسنَ ديباجة وأصفى رونقا من أولئك، وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة، وتأمّلْ ذلك يشهدْ لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والتبصّر بالبلاغة .

وكثير من أغراض الخَطابة التي كانت قبل الإسلام؛ بقيت أيضاً بعد الإسلام، مثل الزواج والصلح، والحث على القتال، والأغراض السياسية، والقضاء وغيرها، وبقيت أيضاً كثير من عادات الخطباء العرب قبل الإسلام، واستمرت إلى ما بعده، مثل اعتماد الخطيب على العصا، وإلقاء الخطبة من مكان مرتفع، أو فوق الراحلة، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته في حجة الوداع، ومِثل لفّ العمامة، والإشارة أثناء الإلقاء، وغير ذلك.

ثم إن الخطبة في الإسلام اكتسبت مزايا وخلالًا طيبة لم تكن فيها من قبل، حيث صارت تفتتح بحمد الله والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، والتشهد بالشهادتين، والاستشهاد بآي من القرآن الكريم، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، والالتزام في مضمونها بأدب الإسلام وشريعته، مما يعني إهمال بعض الأغراض التي كانت موجودة من قبل، والترفع بالخَطابة عنها، مثل التنافر والتفاخر بالأحساب والأنساب الجاهلية، ونحو ذلك مما كان سائدًا قبل الإسلام.

الجاحظ وقد ذكر أن خطباء السلف الطيب وأهل البيان من التابعين لهم بإحسان مازالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد " البتراء " ويسمون التي لم تُوشَّح بالقرآن وتُزيَّن بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: " الشوهاء ".

وخطب أعرابي فلما أعجله بعضُ الأمر عن التصدير بالتحميد والاستفتاح بالتمجيد، قال: " أما بعد بغير ملالةٍ لذكر الله ولا إيثارِ غيرِه عليه، فإنا نقول كذا، ونسأل كذا "، فرارًا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء .

ولقد اشتهر في ذلك العصر كوكبة من الخطباء الأفذاذ، على رأسهم خاتم النبيين، وإمام المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي آتاه الله جوامع الكلم، وكان له صلى الله عليه وسلم خطيب هو   ثابت ابن قيس بن شماس ، وكان جهير الصوت خطيباً بليغاً.

ثم كان من خطباء ذلك العصر المبارك الفصحاء؛ الخلفاء الأربعة، وكثيرون من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
محمد نصر الدين محمد عويضة - ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ سبيل الإتقان في متشابه القرآن ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء السابع ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الخامس ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الثالث ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الثامن) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الأول ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء التاسع) ❝ ❞ صفوة المسائل في التوحيد والفقه والفضائل : التوحيد ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الثاني ) ❝ ❱
من كتب الخطب المنبرية والدروس الإسلامية الدعوة والدفاع عن الإسلام - مكتبة كتب إسلامية.

نبذة عن الكتاب:
الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء السابع )

كان ظهور الدعوة الإسلامية حدثاً عظيمًا، وتحولاً بارزًا وضخما في تاريخ الإنسانية، حيث بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، وبعد أن كان الناس في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبعد أن أسِنَت الحياة وفسدت بما ضلَّ الناس طريق الله رب العالمين، وصراطَه المستقيم.

ولقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم برسالته من رب العالمين، وقد أُمِر بإعلانها وتبليغها، فلم يسعْه إلا القيام بما أمره به ربه: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94]، ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67]، فقام البشير النذير صلى الله عليه وسلم يدعو بدين الله، فطرق مسامعَ البشرية صوتُ هذا الداعي الجديد، وأقبل الناس ينظرون ما الأمر، فكان منهم من شرح الله صدره للإسلام، فكان على نور من ربه، ومنهم من أعرض واستكبر ونأى بجانبه، وولى وأدبر، واتبع هواه، وحارب دعوة الله، فصار للدعوة مناوئون، كما كان لها ممالئون، فأنصارها يدعون إليها ويذودون عنها، وأعداؤها يحاربونها ويصدون الناس عن طريقها.

ومنذ ذلك الحين أهَلَّ على الخَطابة زمان جديد، كان إيذاناً بارتقائها وعلوِّ شأنها، فقد اعتمدت الدعوة الجديدة على الخَطابة في نشرها، والدفاع عن مبادئها ضد خصومها، وكذلك صنع المناوئون لها، ثم إن الإسلام بالإضافة إلى اعتماده على الخَطابة في نشر الدعوة، قد جعلها ضمن الشعائر التعبدية، ففرض خطبة كل يوم جمعة، لا تصح الصلاة بدونها، كما أن هناك الخطبَ المشروعة في الحج، وفي الاستسقاء، وفي الخسوف والكسوف، وفي الزواج، والجهاد وغيرها، كما أن الشريعة الإسلامية تحث دائما على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإسداء النصح للآخرين.

ولقد ارتقت الخَطابة في ظل الدعوة الإسلامية، وبلغت الغاية في الكمال مظهرًا وجوهرًا، أو أداءً ومضمونًا، وكان من أكبر عوامل ارتقائها وسموها؛ استمدادها من القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتأثّر الخطباء ببلاغة وفصاحة القرآن والحديث النبوي الشريف.

وقد ذكر ابن خلدون أن كلام العرب الذين أدركوا الإسلام قد فاق كلام الجاهليين، في الشعر، وفي النثر بأنواعه من خطابة وكتابة ومحاورة ونحوها، وأن ذلك كله قد أتى أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من منظوم الجاهليين ومنثورهم، ثم قال:

والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث، اللذيْنِ عجز البشر عن الإتيان بمثليْهما، لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم، فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية، ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها، فكان كلامهم في نَظْمهم ونثرهم أحسنَ ديباجة وأصفى رونقا من أولئك، وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة، وتأمّلْ ذلك يشهدْ لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والتبصّر بالبلاغة .

وكثير من أغراض الخَطابة التي كانت قبل الإسلام؛ بقيت أيضاً بعد الإسلام، مثل الزواج والصلح، والحث على القتال، والأغراض السياسية، والقضاء وغيرها، وبقيت أيضاً كثير من عادات الخطباء العرب قبل الإسلام، واستمرت إلى ما بعده، مثل اعتماد الخطيب على العصا، وإلقاء الخطبة من مكان مرتفع، أو فوق الراحلة، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته في حجة الوداع، ومِثل لفّ العمامة، والإشارة أثناء الإلقاء، وغير ذلك.

ثم إن الخطبة في الإسلام اكتسبت مزايا وخلالًا طيبة لم تكن فيها من قبل، حيث صارت تفتتح بحمد الله والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، والتشهد بالشهادتين، والاستشهاد بآي من القرآن الكريم، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، والالتزام في مضمونها بأدب الإسلام وشريعته، مما يعني إهمال بعض الأغراض التي كانت موجودة من قبل، والترفع بالخَطابة عنها، مثل التنافر والتفاخر بالأحساب والأنساب الجاهلية، ونحو ذلك مما كان سائدًا قبل الإسلام.

الجاحظ وقد ذكر أن خطباء السلف الطيب وأهل البيان من التابعين لهم بإحسان مازالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد " البتراء " ويسمون التي لم تُوشَّح بالقرآن وتُزيَّن بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: " الشوهاء ".

وخطب أعرابي فلما أعجله بعضُ الأمر عن التصدير بالتحميد والاستفتاح بالتمجيد، قال: " أما بعد بغير ملالةٍ لذكر الله ولا إيثارِ غيرِه عليه، فإنا نقول كذا، ونسأل كذا "، فرارًا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء .

ولقد اشتهر في ذلك العصر كوكبة من الخطباء الأفذاذ، على رأسهم خاتم النبيين، وإمام المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي آتاه الله جوامع الكلم، وكان له صلى الله عليه وسلم خطيب هو   ثابت ابن قيس بن شماس ، وكان جهير الصوت خطيباً بليغاً.

ثم كان من خطباء ذلك العصر المبارك الفصحاء؛ الخلفاء الأربعة، وكثيرون من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. .
المزيد..

تعليقات القرّاء:

كان ظهور الدعوة الإسلامية حدثاً عظيمًا، وتحولاً بارزًا وضخما في تاريخ الإنسانية، حيث بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، وبعد أن كان الناس في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبعد أن أسِنَت الحياة وفسدت بما ضلَّ الناس طريق الله رب العالمين، وصراطَه المستقيم.

ولقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم برسالته من رب العالمين، وقد أُمِر بإعلانها وتبليغها، فلم يسعْه إلا القيام بما أمره به ربه: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94]، ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67]، فقام البشير النذير صلى الله عليه وسلم يدعو بدين الله، فطرق مسامعَ البشرية صوتُ هذا الداعي الجديد، وأقبل الناس ينظرون ما الأمر، فكان منهم من شرح الله صدره للإسلام، فكان على نور من ربه، ومنهم من أعرض واستكبر ونأى بجانبه، وولى وأدبر، واتبع هواه، وحارب دعوة الله، فصار للدعوة مناوئون، كما كان لها ممالئون، فأنصارها يدعون إليها ويذودون عنها، وأعداؤها يحاربونها ويصدون الناس عن طريقها.

ومنذ ذلك الحين أهَلَّ على الخَطابة زمان جديد، كان إيذاناً بارتقائها وعلوِّ شأنها، فقد اعتمدت الدعوة الجديدة على الخَطابة في نشرها، والدفاع عن مبادئها ضد خصومها، وكذلك صنع المناوئون لها، ثم إن الإسلام بالإضافة إلى اعتماده على الخَطابة في نشر الدعوة، قد جعلها ضمن الشعائر التعبدية، ففرض خطبة كل يوم جمعة، لا تصح الصلاة بدونها، كما أن هناك الخطبَ المشروعة في الحج، وفي الاستسقاء، وفي الخسوف والكسوف، وفي الزواج، والجهاد وغيرها، كما أن الشريعة الإسلامية تحث دائما على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإسداء النصح للآخرين.

ولقد ارتقت الخَطابة في ظل الدعوة الإسلامية، وبلغت الغاية في الكمال مظهرًا وجوهرًا، أو أداءً ومضمونًا، وكان من أكبر عوامل ارتقائها وسموها؛ استمدادها من القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتأثّر الخطباء ببلاغة وفصاحة القرآن والحديث النبوي الشريف.

وقد ذكر ابن خلدون أن كلام العرب الذين أدركوا الإسلام قد فاق كلام الجاهليين، في الشعر، وفي النثر بأنواعه من خطابة وكتابة ومحاورة ونحوها، وأن ذلك كله قد أتى أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من منظوم الجاهليين ومنثورهم، ثم قال:

والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث، اللذيْنِ عجز البشر عن الإتيان بمثليْهما، لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم، فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية، ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها، فكان كلامهم في نَظْمهم ونثرهم أحسنَ ديباجة وأصفى رونقا من أولئك، وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة، وتأمّلْ ذلك يشهدْ لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والتبصّر بالبلاغة .

وكثير من أغراض الخَطابة التي كانت قبل الإسلام؛ بقيت أيضاً بعد الإسلام، مثل الزواج والصلح، والحث على القتال، والأغراض السياسية، والقضاء وغيرها، وبقيت أيضاً كثير من عادات الخطباء العرب قبل الإسلام، واستمرت إلى ما بعده، مثل اعتماد الخطيب على العصا، وإلقاء الخطبة من مكان مرتفع، أو فوق الراحلة، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته في حجة الوداع، ومِثل لفّ العمامة، والإشارة أثناء الإلقاء، وغير ذلك.

ثم إن الخطبة في الإسلام اكتسبت مزايا وخلالًا طيبة لم تكن فيها من قبل، حيث صارت تفتتح بحمد الله والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، والتشهد بالشهادتين، والاستشهاد بآي من القرآن الكريم، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، والالتزام في مضمونها بأدب الإسلام وشريعته، مما يعني إهمال بعض الأغراض التي كانت موجودة من قبل، والترفع بالخَطابة عنها، مثل التنافر والتفاخر بالأحساب والأنساب الجاهلية، ونحو ذلك مما كان سائدًا قبل الإسلام.

الجاحظ وقد ذكر أن خطباء السلف الطيب وأهل البيان من التابعين لهم بإحسان مازالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد " البتراء " ويسمون التي لم تُوشَّح بالقرآن وتُزيَّن بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: " الشوهاء ".

وخطب أعرابي فلما أعجله بعضُ الأمر عن التصدير بالتحميد والاستفتاح بالتمجيد، قال: " أما بعد بغير ملالةٍ لذكر الله ولا إيثارِ غيرِه عليه، فإنا نقول كذا، ونسأل كذا "، فرارًا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء .

ولقد اشتهر في ذلك العصر كوكبة من الخطباء الأفذاذ، على رأسهم خاتم النبيين، وإمام المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي آتاه الله جوامع الكلم، وكان له صلى الله عليه وسلم خطيب هو   ثابت ابن قيس بن شماس ، وكان جهير الصوت خطيباً بليغاً.

ثم كان من خطباء ذلك العصر المبارك الفصحاء؛ الخلفاء الأربعة، وكثيرون من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.



حجم الكتاب عند التحميل : 864 كيلوبايت .
نوع الكتاب : rar.
عداد القراءة: عدد قراءة الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء السابع )

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء السابع )
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات rarقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات rar
يمكن تحميلة من هنا 'http://www.rarlab.com/download.htm'

المؤلف:
محمد نصر الدين محمد عويضة - Mohamed Nasr El Din Mohamed Aweidah

كتب محمد نصر الدين محمد عويضة ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ سبيل الإتقان في متشابه القرآن ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء السابع ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الخامس ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الثالث ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الثامن) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الأول ) ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء التاسع) ❝ ❞ صفوة المسائل في التوحيد والفقه والفضائل : التوحيد ❝ ❞ الثمرات الدنية في الخطب المنبرية ( الجزء الثاني ) ❝ ❱. المزيد..

كتب محمد نصر الدين محمد عويضة