❞ كتاب القول الصحيح في تعيين الذبيح ❝  ⏤ محمد سعيد العاني

❞ كتاب القول الصحيح في تعيين الذبيح ❝ ⏤ محمد سعيد العاني


أعادت تصريحات الداعية السعودي صالح المغامسي إمام مسجد قباء في السعودية، بأن المقصود بالذبيح في قصة النبي ابراهيم عليه السلام هو سيدنا إسحاق وليس سيدنا إسماعيل، عليهما السلام، خلافًا علميًا قديماً بين الفقهاء.

«القرطبي والطبري» يؤيدون أن الذبيح هو إسحاق

وبدأت معركة استشهادات واستدلالات على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لكلام "المغامسي"، فنقل الموافقون إجماع "القرطبي والطبري" على أن الذبیح هو إسحاق.

فقول القرطبي المفسر: "اختلف العلماء في المأمور ذبحه فقال أكثرهم الذبیح إسحاق، ومن قال بذلك العباس بن عبدالمطلب وابنه عبد االله، وهو الصحیح عنه، حيث قال: الذبیح إسحاق وهو الصحیح عن عبد االله بن مسعود أن رجلا قال له "یا ابن الأشیاخ الكرام"، فقال عبد االله "ذلك یوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبیح االله بن إبراهیم خلیل االله".

وأكد "القرطبي" أن العديد من الصحابة قالوا إن الذبیح إسحاق، وعد منهم 7، وقال به التابعون وغیرهم ومنهم "علقمة والشعبي ومجاهد وسعید بن جبیر وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي برة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمان بن سابط والزهري والسدي وعبد االله بن أبي هدیل ومالك بن أنس" كلهم قالوا الذبیح إسحاق.

بينما رد المخالفين بإجماع العلماء على أن الذبيح هو اسماعيل عليه السلام، وذلك وفقا لفتوى للأزهر الشريف على لسان الشيخ عطية صقر، حيث أكد خلالها أن الذبيح هو اسماعيل عليه السلام وليس إسحاق، قائلًا "الجمهور على أن الذبيح إسماعيل".

10 نقاط تثبن أن الذبيح هو إسماعيل

ويري المؤيديون 10 نقاط تثبت يقينية أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وهي:

- أن إبراهيم عليه السلام لما أنجاه الله من النار وهاجر من أرض العراق إلى الشام، "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ"، وبما تقدمت به السن ولم ينجب طلب من ربه أن يهب له ولدا فاستجاب الله له "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)"، وكان هذا الغلام من هاجر المصرية وهو بالشام، وهو إسماعيل، ولما لم تنجب زوجته الأولى دخلت الغيرة قلبها فأمره الله أن يبعد عنها هاجر وولدها، فأسكنهما في موضع مكة، وامتحنه بذبحه لما بلغ معه السعى وكان ذلك الامتحان في مكة.

أما ابنه إسحاق فجاءت البشارة به بعد أن بشره الله بإسماعيل، كما تدل عليه الآيات التى ذكرت الرؤيا والبدء فى الذبح ثم افتداء الله إسماعيل بذبح عظيم، وانتهت بمدح إبراهيم ثم ذكرت البشارة بإسحق، والامتحان يكون بذبح الابن البكر الذي جاء بعد شوق طويل، لا بالولد الثاني الذى لا يصل حبه إلى ما وصل إليه حب الأول.

- أن إبراهيم عاش سلسلة من الامتحانات أكثرها يتصل بهاجر وولدها إسماعيل، حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، مسلما أمرهما إلى الله، يعيش بعيدا عنهما في الشام، ويزورهما على فترات، ثم يتصاعد الامتحان بأن يرى في المنام أنه يذبح فلذة كبده، وما ذلك إلا إسماعيل، ولنتصور حال إبراهيم لو تم الذبح كيف يترك هاجر وحيدة في مكان ليس فيه من الأنس ما في الشام حيث يستقر به المقام، إن سلسلة هذه الامتحانات المترابطة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل.

- هناك اختلافا في الظروف التي بشّر بها إبراهيم بكلا ولديه إسماعيل وإسحاق فالبشارة بإسماعيل كانت عند هجرته من أرض العراق وبطلب من الله أما البشارة بإسحق فكانت عندما جاءته الملائكة في طريق مرورها إلى قوم لوط، وهي فترة كان فيها إسماعيل مع أمه هاجر بعيدين عن البيت، الذي لم يكن فيه إلا سارة التي عجبت أن يولد لها وهي عجوز عقيم وبعلها شيخ كبير، ولم يكن هناك طلب منهما لهذا الولد والامتحان بذبح من طلبه وتشوق إليه امتحان أشد.

- الشروع في ذبح إسماعيل صاحبته أحداث تدل على أنه هو المقصود بالذبح وليس إسحاق، ذلك أن الروايات تقول: إن إبراهيم أخذ ولده وخرج به من البيت ليذبحه بعيدا عن أمه فلقيهما الشيطان فى الطريق وسول لهما عدم الاستجابة، فرجمه إبراهيم فى أكثر من مكان، ومنه كانت شعيرة رمي الجمار من شعائر الحج، وذلك في مكة وليس في الشام.

- عندما بشر الله إبراهيم وسارة بإسحاق عن طريق الملائكة، جاء فى البشارة {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} هود: 71، يعني أن إسحاق سيولد ويكبر ويتزوج ويولد له يعقوب، فهل يعقل بعد الاطمئنان على حياة إسحاق أن يذبحه أبوه؟ إنه لو ذبحه فمن أين يكون يعقوب؟ هذا دليل قوي على أن الذبيح هو إسماعيل.

- البشارة بإسماعيل وصفته بأنه غلام حليم، أما البشارة بإسحاق فوصفته بأنه علام عليم، وصفة الحلم تتناسب مع من أطاع أمر ربه وصدق رؤيا أبيه فلم يغضب ولم يعص، وهو إسماعيل، وصفة العلم غالبة في نسل إسحاق ويعقوب وبني إسرائيل.

- النبى سئل عن الأضاحى فقال "سنة أبيكم إبراهيم"، رواه أحمد وابن ماجه وأبو العرب هو إسماعيل بن إبراهيم، وليس إسحاق ابن إبراهيم، كما هو معروف والقرابين كانت تذبح فى مكة وليس فى الشام استجابة لدعوة إبراهيم ربه "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»،«وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ».

- أهل الكتاب يقولون: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وما كان له ابن وحيد إلا إسماعيل، فإن إسحاق لا يقال له وحيد حيث كانت ولادته بعد ولادة إسماعيل، فقد نصت كتبهم على أن إسماعيل ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وأن إسحاق ولد ولإبراهيم تسع وتسعون سنة، فأول ولد بشر به هو إسماعيل والوحيد الذي أمر بذبحه هو أيضًا إسماعيل، وهو البكر كما عبر عنه فى بعض نسخهم، فأقحموا ها هنا كذبا وبهتانا اسم إسحاق لانه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم، ذكر هذا ابن كثير فى تفسيره لقوله تعالى «فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ» .

- كبار العلماء من السلف قالوا: إن الذبيح هو إسماعيل كما روى ذلك عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن عمر، والشعبى يقول: رأيت قرني الكبش فى الكعبة (كذلك) وعمر بن عبد العزيز استدعى يهوديا بالشام أسلم وحسن إسلامه فشهد بأن الذبيح إسماعيل. وأبو عمرو بن العلاء سأله الأصمعى عن الذبيح فقال له: أين ذهب عقلك، متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.

يقول الآلوسى بعد أن ساق أقوال العلماء فى ذلك: والذي أميل إليه أن الذبيح إسماعيل لأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب.

- كتب السيرة، ومن زاد المعاد لابن القيم وغيره من المصادر، ينتهى إلى أن الذبيح هو إسماعيل، وما سبق فى ذلك هو اجتهادات واستنباطات يؤيدها حديث الحاكم عن معاوية بعدم إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم على من ناداه بابن الذبيحين، كما يؤيدها ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله «أنا ابن الذبيحين».

الإمام المجدد محمد متولي الشعراوي: «الذبيح هو إسماعيل»

يري الإمام المجدد محمد متولي الشعراوي ان الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، حيث يقول الله تعالي «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا»، فقوله تعالى«إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد»، ميزة هنا فهناك صفة تبرز في شخص ويتميز بها، وإن كانت موجودة في غيره، فالذي يصدُق في وعد أعطاه، أو كلمة قالها صدق في أمر يملكه ويتعلق به، أما إسماعيل عليه السلام فكان صادق الوعد في أمر حياة أو موت، أمر يتعلق بنفسه، حين قال لأبيه«يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَاءَ الله مِنَ الصابرين» وليت الأمر جاء مباشرة، إنما رآه غيره، وربما كانت المسألة أيسَر لو أن الولد هو الذي رأى أباه يذبحه، لكنها رُؤْيا رآها الأب، والرؤيا لا يثبت بها حكم إلا عند الأنبياء، فكان إسماعيل دقيقًا في إجابته حينما أخبره أبوه كأنه يأخذ رأيه في هذا الأمر«إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى»، فخاف إبراهيم عليه السلام أن يُقبل على ذَبْح ولده دون أن يخبره حتى لا تأتي عليه فترة يمتلىء غيظًا من أبيه إذا كان لا يعرف السبب، فأحبَّ إبراهيم أن يكون استسلامُ ولده للذبح قُرْبَى منه لله، له أجْرُها وثوابها، فقال إسماعيل لأبيه إبراهيم«يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ»، والوعد الذي صدق فيه قوله«ستجدني إِن شَاءَ الله مِنَ الصابرين» وصدق إسماعيل في وعده، واستسلم للذبح، ولم يتردد ولم يتراجع؛ لذلك استحق أنْ يميزه ربه بهذه الصفة «إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد».

وأضاف: لما رأى الحق تبارك وتعالى استسلام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لقضاء الله رفع عنه قضاءه وناداه«وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، فكانت نتيجة الصبر على هذا الابتلاء أنْ فدى الله الذبيح، وخلَّصه من الذبح، ثم أكرم إبراهيم فوق الولد بولد آخر«وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ»، وهذه لقطة قرآنية تُعلِّمنا أن المسلم إذا استسلم لقضاء الله، ورَضِي بقدره فسوف يجني ثمار هذا الاستسلام، والذي يطيل أمد القضاء على الناس أنهم لا يرضون به، والحق تبارك وتعالى لا يجبره أحد، فالقضاء نافذ نافذ، رضيتَ به أم لم تَرْضَ، وحين تسلم لله وترضى بقضائه يرفعه عنك، أو يُبيّن لك وجه الخير فيه. إذن: عليك أن تحترم القدر وترضى به؛ لأنه من ربك الخالق الحكيم، ولا يُرفع قضاء الله عن الخلق حتى يرضوا به.


هذه الرسالة الهامة للمؤلف قد جمعت بين أقوال المفسرين في مسألة ذبح إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل، وما قيل عن اسم الذبيح ومكان الذبح والحجة لكل قول، وقد استوعب المؤلف جميع أقوال المفسيرن وما احتجوا به وناقشهم مناقشة علمية رصينة، وقد رجع إلى كتب أهل الكتاب وذكر ما فيها من نصوص تتعلق بالمسألة وناقشها وبين أنها حجة للقائلين بأن الذبيح هو إسماعيل وليست هى حجة للقائلين بأن الذبيح هو إسحاق، كما رجع إلى المصادر الإسرائيلية وقارن بين كل هذا وبين المصادر الإسلامية الصحيحة. محمد سعيد العاني - ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ القول الصحيح في تعيين الذبيح ❝ ❱
من كتب إسلامية متنوعة - مكتبة كتب إسلامية.

نبذة عن الكتاب:
القول الصحيح في تعيين الذبيح

1985م - 1444هـ

أعادت تصريحات الداعية السعودي صالح المغامسي إمام مسجد قباء في السعودية، بأن المقصود بالذبيح في قصة النبي ابراهيم عليه السلام هو سيدنا إسحاق وليس سيدنا إسماعيل، عليهما السلام، خلافًا علميًا قديماً بين الفقهاء.

«القرطبي والطبري» يؤيدون أن الذبيح هو إسحاق

وبدأت معركة استشهادات واستدلالات على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لكلام "المغامسي"، فنقل الموافقون إجماع "القرطبي والطبري" على أن الذبیح هو إسحاق.

فقول القرطبي المفسر: "اختلف العلماء في المأمور ذبحه فقال أكثرهم الذبیح إسحاق، ومن قال بذلك العباس بن عبدالمطلب وابنه عبد االله، وهو الصحیح عنه، حيث قال: الذبیح إسحاق وهو الصحیح عن عبد االله بن مسعود أن رجلا قال له "یا ابن الأشیاخ الكرام"، فقال عبد االله "ذلك یوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبیح االله بن إبراهیم خلیل االله".

وأكد "القرطبي" أن العديد من الصحابة قالوا إن الذبیح إسحاق، وعد منهم 7، وقال به التابعون وغیرهم ومنهم "علقمة والشعبي ومجاهد وسعید بن جبیر وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي برة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمان بن سابط والزهري والسدي وعبد االله بن أبي هدیل ومالك بن أنس" كلهم قالوا الذبیح إسحاق.

بينما رد المخالفين بإجماع العلماء على أن الذبيح هو اسماعيل عليه السلام، وذلك وفقا لفتوى للأزهر الشريف على لسان الشيخ عطية صقر، حيث أكد خلالها أن الذبيح هو اسماعيل عليه السلام وليس إسحاق، قائلًا "الجمهور على أن الذبيح إسماعيل".

10 نقاط تثبن أن الذبيح هو إسماعيل

ويري المؤيديون 10 نقاط تثبت يقينية أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وهي:

- أن إبراهيم عليه السلام لما أنجاه الله من النار وهاجر من أرض العراق إلى الشام، "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ"، وبما تقدمت به السن ولم ينجب طلب من ربه أن يهب له ولدا فاستجاب الله له "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)"، وكان هذا الغلام من هاجر المصرية وهو بالشام، وهو إسماعيل، ولما لم تنجب زوجته الأولى دخلت الغيرة قلبها فأمره الله أن يبعد عنها هاجر وولدها، فأسكنهما في موضع مكة، وامتحنه بذبحه لما بلغ معه السعى وكان ذلك الامتحان في مكة.

أما ابنه إسحاق فجاءت البشارة به بعد أن بشره الله بإسماعيل، كما تدل عليه الآيات التى ذكرت الرؤيا والبدء فى الذبح ثم افتداء الله إسماعيل بذبح عظيم، وانتهت بمدح إبراهيم ثم ذكرت البشارة بإسحق، والامتحان يكون بذبح الابن البكر الذي جاء بعد شوق طويل، لا بالولد الثاني الذى لا يصل حبه إلى ما وصل إليه حب الأول.

- أن إبراهيم عاش سلسلة من الامتحانات أكثرها يتصل بهاجر وولدها إسماعيل، حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، مسلما أمرهما إلى الله، يعيش بعيدا عنهما في الشام، ويزورهما على فترات، ثم يتصاعد الامتحان بأن يرى في المنام أنه يذبح فلذة كبده، وما ذلك إلا إسماعيل، ولنتصور حال إبراهيم لو تم الذبح كيف يترك هاجر وحيدة في مكان ليس فيه من الأنس ما في الشام حيث يستقر به المقام، إن سلسلة هذه الامتحانات المترابطة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل.

- هناك اختلافا في الظروف التي بشّر بها إبراهيم بكلا ولديه إسماعيل وإسحاق فالبشارة بإسماعيل كانت عند هجرته من أرض العراق وبطلب من الله أما البشارة بإسحق فكانت عندما جاءته الملائكة في طريق مرورها إلى قوم لوط، وهي فترة كان فيها إسماعيل مع أمه هاجر بعيدين عن البيت، الذي لم يكن فيه إلا سارة التي عجبت أن يولد لها وهي عجوز عقيم وبعلها شيخ كبير، ولم يكن هناك طلب منهما لهذا الولد والامتحان بذبح من طلبه وتشوق إليه امتحان أشد.

- الشروع في ذبح إسماعيل صاحبته أحداث تدل على أنه هو المقصود بالذبح وليس إسحاق، ذلك أن الروايات تقول: إن إبراهيم أخذ ولده وخرج به من البيت ليذبحه بعيدا عن أمه فلقيهما الشيطان فى الطريق وسول لهما عدم الاستجابة، فرجمه إبراهيم فى أكثر من مكان، ومنه كانت شعيرة رمي الجمار من شعائر الحج، وذلك في مكة وليس في الشام.

- عندما بشر الله إبراهيم وسارة بإسحاق عن طريق الملائكة، جاء فى البشارة {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} هود: 71، يعني أن إسحاق سيولد ويكبر ويتزوج ويولد له يعقوب، فهل يعقل بعد الاطمئنان على حياة إسحاق أن يذبحه أبوه؟ إنه لو ذبحه فمن أين يكون يعقوب؟ هذا دليل قوي على أن الذبيح هو إسماعيل.

- البشارة بإسماعيل وصفته بأنه غلام حليم، أما البشارة بإسحاق فوصفته بأنه علام عليم، وصفة الحلم تتناسب مع من أطاع أمر ربه وصدق رؤيا أبيه فلم يغضب ولم يعص، وهو إسماعيل، وصفة العلم غالبة في نسل إسحاق ويعقوب وبني إسرائيل.

- النبى سئل عن الأضاحى فقال "سنة أبيكم إبراهيم"، رواه أحمد وابن ماجه وأبو العرب هو إسماعيل بن إبراهيم، وليس إسحاق ابن إبراهيم، كما هو معروف والقرابين كانت تذبح فى مكة وليس فى الشام استجابة لدعوة إبراهيم ربه "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»،«وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ».

- أهل الكتاب يقولون: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وما كان له ابن وحيد إلا إسماعيل، فإن إسحاق لا يقال له وحيد حيث كانت ولادته بعد ولادة إسماعيل، فقد نصت كتبهم على أن إسماعيل ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وأن إسحاق ولد ولإبراهيم تسع وتسعون سنة، فأول ولد بشر به هو إسماعيل والوحيد الذي أمر بذبحه هو أيضًا إسماعيل، وهو البكر كما عبر عنه فى بعض نسخهم، فأقحموا ها هنا كذبا وبهتانا اسم إسحاق لانه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم، ذكر هذا ابن كثير فى تفسيره لقوله تعالى «فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ» .

- كبار العلماء من السلف قالوا: إن الذبيح هو إسماعيل كما روى ذلك عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن عمر، والشعبى يقول: رأيت قرني الكبش فى الكعبة (كذلك) وعمر بن عبد العزيز استدعى يهوديا بالشام أسلم وحسن إسلامه فشهد بأن الذبيح إسماعيل. وأبو عمرو بن العلاء سأله الأصمعى عن الذبيح فقال له: أين ذهب عقلك، متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.

يقول الآلوسى بعد أن ساق أقوال العلماء فى ذلك: والذي أميل إليه أن الذبيح إسماعيل لأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب.

- كتب السيرة، ومن زاد المعاد لابن القيم وغيره من المصادر، ينتهى إلى أن الذبيح هو إسماعيل، وما سبق فى ذلك هو اجتهادات واستنباطات يؤيدها حديث الحاكم عن معاوية بعدم إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم على من ناداه بابن الذبيحين، كما يؤيدها ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله «أنا ابن الذبيحين».

الإمام المجدد محمد متولي الشعراوي: «الذبيح هو إسماعيل»

يري الإمام المجدد محمد متولي الشعراوي ان الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، حيث يقول الله تعالي «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا»، فقوله تعالى«إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد»، ميزة هنا فهناك صفة تبرز في شخص ويتميز بها، وإن كانت موجودة في غيره، فالذي يصدُق في وعد أعطاه، أو كلمة قالها صدق في أمر يملكه ويتعلق به، أما إسماعيل عليه السلام فكان صادق الوعد في أمر حياة أو موت، أمر يتعلق بنفسه، حين قال لأبيه«يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَاءَ الله مِنَ الصابرين» وليت الأمر جاء مباشرة، إنما رآه غيره، وربما كانت المسألة أيسَر لو أن الولد هو الذي رأى أباه يذبحه، لكنها رُؤْيا رآها الأب، والرؤيا لا يثبت بها حكم إلا عند الأنبياء، فكان إسماعيل دقيقًا في إجابته حينما أخبره أبوه كأنه يأخذ رأيه في هذا الأمر«إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى»، فخاف إبراهيم عليه السلام أن يُقبل على ذَبْح ولده دون أن يخبره حتى لا تأتي عليه فترة يمتلىء غيظًا من أبيه إذا كان لا يعرف السبب، فأحبَّ إبراهيم أن يكون استسلامُ ولده للذبح قُرْبَى منه لله، له أجْرُها وثوابها، فقال إسماعيل لأبيه إبراهيم«يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ»، والوعد الذي صدق فيه قوله«ستجدني إِن شَاءَ الله مِنَ الصابرين» وصدق إسماعيل في وعده، واستسلم للذبح، ولم يتردد ولم يتراجع؛ لذلك استحق أنْ يميزه ربه بهذه الصفة «إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد».

وأضاف: لما رأى الحق تبارك وتعالى استسلام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لقضاء الله رفع عنه قضاءه وناداه«وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، فكانت نتيجة الصبر على هذا الابتلاء أنْ فدى الله الذبيح، وخلَّصه من الذبح، ثم أكرم إبراهيم فوق الولد بولد آخر«وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ»، وهذه لقطة قرآنية تُعلِّمنا أن المسلم إذا استسلم لقضاء الله، ورَضِي بقدره فسوف يجني ثمار هذا الاستسلام، والذي يطيل أمد القضاء على الناس أنهم لا يرضون به، والحق تبارك وتعالى لا يجبره أحد، فالقضاء نافذ نافذ، رضيتَ به أم لم تَرْضَ، وحين تسلم لله وترضى بقضائه يرفعه عنك، أو يُبيّن لك وجه الخير فيه. إذن: عليك أن تحترم القدر وترضى به؛ لأنه من ربك الخالق الحكيم، ولا يُرفع قضاء الله عن الخلق حتى يرضوا به.


هذه الرسالة الهامة للمؤلف قد جمعت بين أقوال المفسرين في مسألة ذبح إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل، وما قيل عن اسم الذبيح ومكان الذبح والحجة لكل قول، وقد استوعب المؤلف جميع أقوال المفسيرن وما احتجوا به وناقشهم مناقشة علمية رصينة، وقد رجع إلى كتب أهل الكتاب وذكر ما فيها من نصوص تتعلق بالمسألة وناقشها وبين أنها حجة للقائلين بأن الذبيح هو إسماعيل وليست هى حجة للقائلين بأن الذبيح هو إسحاق، كما رجع إلى المصادر الإسرائيلية وقارن بين كل هذا وبين المصادر الإسلامية الصحيحة.
.
المزيد..

تعليقات القرّاء:

نبذه عن الكتاب:


أعادت تصريحات الداعية السعودي صالح المغامسي إمام مسجد قباء في السعودية، بأن المقصود بالذبيح في قصة النبي ابراهيم عليه السلام هو سيدنا إسحاق وليس سيدنا إسماعيل، عليهما السلام، خلافًا علميًا قديماً بين الفقهاء.

«القرطبي والطبري» يؤيدون أن الذبيح هو إسحاق

وبدأت معركة استشهادات واستدلالات على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لكلام "المغامسي"، فنقل الموافقون إجماع "القرطبي والطبري" على أن الذبیح هو إسحاق.

فقول القرطبي المفسر: "اختلف العلماء في المأمور ذبحه فقال أكثرهم الذبیح إسحاق، ومن قال بذلك العباس بن عبدالمطلب وابنه عبد االله، وهو الصحیح عنه، حيث قال: الذبیح إسحاق وهو الصحیح عن عبد االله بن مسعود أن رجلا قال له "یا ابن الأشیاخ الكرام"، فقال عبد االله "ذلك یوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبیح االله بن إبراهیم خلیل االله".

وأكد "القرطبي" أن العديد من الصحابة قالوا إن الذبیح إسحاق، وعد منهم 7، وقال به التابعون وغیرهم ومنهم "علقمة والشعبي ومجاهد وسعید بن جبیر وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي برة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمان بن سابط والزهري والسدي وعبد االله بن أبي هدیل ومالك بن أنس" كلهم قالوا الذبیح إسحاق.

بينما رد المخالفين بإجماع العلماء على أن الذبيح هو اسماعيل عليه السلام، وذلك وفقا لفتوى للأزهر الشريف على لسان الشيخ عطية صقر، حيث أكد خلالها أن الذبيح هو اسماعيل عليه السلام وليس إسحاق، قائلًا "الجمهور على أن الذبيح إسماعيل".

10 نقاط تثبن أن الذبيح هو إسماعيل

ويري المؤيديون 10 نقاط تثبت يقينية أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وهي:

- أن إبراهيم عليه السلام لما أنجاه الله من النار وهاجر من أرض العراق إلى الشام، "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ"، وبما تقدمت به السن ولم ينجب طلب من ربه أن يهب له ولدا فاستجاب الله له "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)"، وكان هذا الغلام من هاجر المصرية وهو بالشام، وهو إسماعيل، ولما لم تنجب زوجته الأولى دخلت الغيرة قلبها فأمره الله أن يبعد عنها هاجر وولدها، فأسكنهما في موضع مكة، وامتحنه بذبحه لما بلغ معه السعى وكان ذلك الامتحان في مكة.

أما ابنه إسحاق فجاءت البشارة به بعد أن بشره الله بإسماعيل، كما تدل عليه الآيات التى ذكرت الرؤيا والبدء فى الذبح ثم افتداء الله إسماعيل بذبح عظيم، وانتهت بمدح إبراهيم ثم ذكرت البشارة بإسحق، والامتحان يكون بذبح الابن البكر الذي جاء بعد شوق طويل، لا بالولد الثاني الذى لا يصل حبه إلى ما وصل إليه حب الأول.

- أن إبراهيم عاش سلسلة من الامتحانات أكثرها يتصل بهاجر وولدها إسماعيل، حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، مسلما أمرهما إلى الله، يعيش بعيدا عنهما في الشام، ويزورهما على فترات، ثم يتصاعد الامتحان بأن يرى في المنام أنه يذبح فلذة كبده، وما ذلك إلا إسماعيل، ولنتصور حال إبراهيم لو تم الذبح كيف يترك هاجر وحيدة في مكان ليس فيه من الأنس ما في الشام حيث يستقر به المقام، إن سلسلة هذه الامتحانات المترابطة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل.

- هناك اختلافا في الظروف التي بشّر بها إبراهيم بكلا ولديه إسماعيل وإسحاق فالبشارة بإسماعيل كانت عند هجرته من أرض العراق وبطلب من الله أما البشارة بإسحق فكانت عندما جاءته الملائكة في طريق مرورها إلى قوم لوط، وهي فترة كان فيها إسماعيل مع أمه هاجر بعيدين عن البيت، الذي لم يكن فيه إلا سارة التي عجبت أن يولد لها وهي عجوز عقيم وبعلها شيخ كبير، ولم يكن هناك طلب منهما لهذا الولد والامتحان بذبح من طلبه وتشوق إليه امتحان أشد.

- الشروع في ذبح إسماعيل صاحبته أحداث تدل على أنه هو المقصود بالذبح وليس إسحاق، ذلك أن الروايات تقول: إن إبراهيم أخذ ولده وخرج به من البيت ليذبحه بعيدا عن أمه فلقيهما الشيطان فى الطريق وسول لهما عدم الاستجابة، فرجمه إبراهيم فى أكثر من مكان، ومنه كانت شعيرة رمي الجمار من شعائر الحج، وذلك في مكة وليس في الشام.

- عندما بشر الله إبراهيم وسارة بإسحاق عن طريق الملائكة، جاء فى البشارة {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} هود: 71، يعني أن إسحاق سيولد ويكبر ويتزوج ويولد له يعقوب، فهل يعقل بعد الاطمئنان على حياة إسحاق أن يذبحه أبوه؟ إنه لو ذبحه فمن أين يكون يعقوب؟ هذا دليل قوي على أن الذبيح هو إسماعيل.

- البشارة بإسماعيل وصفته بأنه غلام حليم، أما البشارة بإسحاق فوصفته بأنه علام عليم، وصفة الحلم تتناسب مع من أطاع أمر ربه وصدق رؤيا أبيه فلم يغضب ولم يعص، وهو إسماعيل، وصفة العلم غالبة في نسل إسحاق ويعقوب وبني إسرائيل.

- النبى سئل عن الأضاحى فقال "سنة أبيكم إبراهيم"، رواه أحمد وابن ماجه وأبو العرب هو إسماعيل بن إبراهيم، وليس إسحاق ابن إبراهيم، كما هو معروف والقرابين كانت تذبح فى مكة وليس فى الشام استجابة لدعوة إبراهيم ربه "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»،«وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ».

- أهل الكتاب يقولون: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وما كان له ابن وحيد إلا إسماعيل، فإن إسحاق لا يقال له وحيد حيث كانت ولادته بعد ولادة إسماعيل، فقد نصت كتبهم على أن إسماعيل ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وأن إسحاق ولد ولإبراهيم تسع وتسعون سنة، فأول ولد بشر به هو إسماعيل والوحيد الذي أمر بذبحه هو أيضًا إسماعيل، وهو البكر كما عبر عنه فى بعض نسخهم، فأقحموا ها هنا كذبا وبهتانا اسم إسحاق لانه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم، ذكر هذا ابن كثير فى تفسيره لقوله تعالى «فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ» .

- كبار العلماء من السلف قالوا: إن الذبيح هو إسماعيل كما روى ذلك عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن عمر، والشعبى يقول: رأيت قرني الكبش فى الكعبة (كذلك) وعمر بن عبد العزيز استدعى يهوديا بالشام أسلم وحسن إسلامه فشهد بأن الذبيح إسماعيل. وأبو عمرو بن العلاء سأله الأصمعى عن الذبيح فقال له: أين ذهب عقلك، متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.

يقول الآلوسى بعد أن ساق أقوال العلماء فى ذلك: والذي أميل إليه أن الذبيح إسماعيل لأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب.

- كتب السيرة، ومن زاد المعاد لابن القيم وغيره من المصادر، ينتهى إلى أن الذبيح هو إسماعيل، وما سبق فى ذلك هو اجتهادات واستنباطات يؤيدها حديث الحاكم عن معاوية بعدم إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم على من ناداه بابن الذبيحين، كما يؤيدها ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله «أنا ابن الذبيحين».

الإمام المجدد محمد متولي الشعراوي: «الذبيح هو إسماعيل»

يري الإمام المجدد محمد متولي الشعراوي ان الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، حيث يقول الله تعالي «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا»، فقوله تعالى«إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد»، ميزة هنا فهناك صفة تبرز في شخص ويتميز بها، وإن كانت موجودة في غيره، فالذي يصدُق في وعد أعطاه، أو كلمة قالها صدق في أمر يملكه ويتعلق به، أما إسماعيل عليه السلام فكان صادق الوعد في أمر حياة أو موت، أمر يتعلق بنفسه، حين قال لأبيه«يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَاءَ الله مِنَ الصابرين» وليت الأمر جاء مباشرة، إنما رآه غيره، وربما كانت المسألة أيسَر لو أن الولد هو الذي رأى أباه يذبحه، لكنها رُؤْيا رآها الأب، والرؤيا لا يثبت بها حكم إلا عند الأنبياء، فكان إسماعيل دقيقًا في إجابته حينما أخبره أبوه كأنه يأخذ رأيه في هذا الأمر«إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى»، فخاف إبراهيم عليه السلام أن يُقبل على ذَبْح ولده دون أن يخبره حتى لا تأتي عليه فترة يمتلىء غيظًا من أبيه إذا كان لا يعرف السبب، فأحبَّ إبراهيم أن يكون استسلامُ ولده للذبح قُرْبَى منه لله، له أجْرُها وثوابها، فقال إسماعيل لأبيه إبراهيم«يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ»، والوعد الذي صدق فيه قوله«ستجدني إِن شَاءَ الله مِنَ الصابرين» وصدق إسماعيل في وعده، واستسلم للذبح، ولم يتردد ولم يتراجع؛ لذلك استحق أنْ يميزه ربه بهذه الصفة «إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد».

وأضاف: لما رأى الحق تبارك وتعالى استسلام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لقضاء الله رفع عنه قضاءه وناداه«وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، فكانت نتيجة الصبر على هذا الابتلاء أنْ فدى الله الذبيح، وخلَّصه من الذبح، ثم أكرم إبراهيم فوق الولد بولد آخر«وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ»، وهذه لقطة قرآنية تُعلِّمنا أن المسلم إذا استسلم لقضاء الله، ورَضِي بقدره فسوف يجني ثمار هذا الاستسلام، والذي يطيل أمد القضاء على الناس أنهم لا يرضون به، والحق تبارك وتعالى لا يجبره أحد، فالقضاء نافذ نافذ، رضيتَ به أم لم تَرْضَ، وحين تسلم لله وترضى بقضائه يرفعه عنك، أو يُبيّن لك وجه الخير فيه. إذن: عليك أن تحترم القدر وترضى به؛ لأنه من ربك الخالق الحكيم، ولا يُرفع قضاء الله عن الخلق حتى يرضوا به.


 هذه الرسالة الهامة للمؤلف قد جمعت بين أقوال المفسرين في مسألة ذبح إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل، وما قيل عن اسم الذبيح ومكان الذبح والحجة لكل قول، وقد استوعب المؤلف جميع أقوال المفسيرن وما احتجوا به وناقشهم مناقشة علمية رصينة، وقد رجع إلى كتب أهل الكتاب وذكر ما فيها من نصوص تتعلق بالمسألة وناقشها وبين أنها حجة للقائلين بأن الذبيح هو إسماعيل وليست هى حجة للقائلين بأن الذبيح هو إسحاق، كما رجع إلى المصادر الإسرائيلية وقارن بين كل هذا وبين المصادر الإسلامية الصحيحة.
 

معنى الاسلام
ما هو الاسلام
ما هو الاسلام الصحيح
شرح تعريف الاسلام
معلومات عن الاسلام
بحث عن الدين الاسلامي
تعريف الاسلام للاطفال
موقع الاسلام

مفهوم الدين pdf
معنى الدين
الدين الاسلامي
ما هو الدين الحقيقي في العالم
المعتقدات الدينية الاسلامية
الدين المال
تعريف الدين الحق
بحث عن الدين
المصلح. الصحيحة.



سنة النشر : 1985م / 1405هـ .
حجم الكتاب عند التحميل : 1.7 ميجا بايت .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة القول الصحيح في تعيين الذبيح

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل القول الصحيح في تعيين الذبيح
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

المؤلف:
محمد سعيد العاني - MHMD SAID ALAANI

كتب محمد سعيد العاني ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ القول الصحيح في تعيين الذبيح ❝ ❱. المزيد..

كتب محمد سعيد العاني