❞ كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس ❝  ⏤ فخر الدين الرازي

❞ كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس ❝ ⏤ فخر الدين الرازي

التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب هو كتاب تفسير للقرآن من تأليف شيخ الإسلام فخر الدين الرازي (544هـ - 606هـ). التفسير الكبير ومفاتيح الغيب ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، وذلك لأنهما اسمان مشهوران بين العلماء والباحثين لتفسير واحد ألفه الإمام الفخر الرازي. وقد حاول بعض العلماء الجمع بين هذين الاسمين قائلين: ألف الرازي تفسيره الكبير المسمى مفاتيح الغيب. وهذا التفسير يعتبر أهم تفاسير المدرسة التفسيرية المنتمية إلى التفسير بالرأي المحمود، بل وأفضلها على الإطلاق. إذ يعد هذا التفسير موسوعة علمية متخصصة في مجال الدين الإسلامي عامة، وعلم التفسير على وجه الخصوص. بالإضافة إلى ذلك، أنه عمدة التفاسير العقلية للقرآن الذي يمثل ذروة المحاولة العقلية لفهم القرآن، بل هو مستودع ضخم للتوجيهات العقلية والأقوال النظرية في التفسير.

ويعد تفسيراً شاملاً لكونه اشتمل على الجمع بين التفسير بالعقل السليم والنقل الصحيح، فضلاً عن شموله لأبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة. كما يعد من أطول التفاسير القديمة والحديثة، وأكثرها تفصيلاً وعرضاً للآراء، ومناقشة للمعتقدات والمذاهب المختلفة. ويذكر فيه الإمام الرازي مناسبة السورة مع غيرها، ويذكر المناسبات بين الآيات، ويستطرد في العلوم الكونية، ويتوسع بها، كما يذكر المسائل الأصولية والنحوية والبلاغية، والاستنباطات العقلية. ويبين في تفسيره معاني القرآن الكريم، وإشاراته، وفيه أبحاث مطولة في شتى العلوم الإسلامية، كعلم الكلام، وأقوال الحكماء، ويذكر فيه مذاهب الفقهاء وأدلتهم في آيات الأحكام، وينتصر لمذهب أهل السنة في العقيدة، ويرد على المعتزلة، وأقوال الفرق الضالة، ويفند مذاهبهم، كما يرد على الفلاسفة. ويعتبر هذا الكتاب من أجل كتب التفسير وأعظمها، وأوسعها، وأغزرها مادة.

بدأ الإمام الرازي كتابة تفسيره في آخر حياته، بعد أن جاوز الخمسين من عمره، وبعد أن حصل من العلوم المختلفة على ما يؤهله للقيام بهذا العمل، وبعدما نضج عقله وكوّن فكره، وأكتملت أدواته، فأعطى عصارة جهده لهذا التفسير الضخم الكبير. ومما يدل على ذلك قول الرازي عند تفسيره سورة يوسف سنة 601 هـ: «"...وإذا عوّل العبد على الله لم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن وجه. فهذه التجربة قد استمرت لي في أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين".» لقد شرع الرازي في تفسير القرآن حوالي سنة 595 هـ، إذ أشار إلى هذا التاريخ عند فراغه من تفسير سورة آل عمران، واستمر في عمله قرابة ثماني سنوات. فآخر تاريخ أثبته الرازي في تفسيره كان بمناسبة الانتهاء من تفسيره سورة الأحقاف في ذي الحجة سنة 603 هـ. ومن الملاحظ أن السور التي جاءت بعد هذه السورة لم تُثبت تواريخ تفسيرها. استناداً إلى التواريخ المثبتة في أواخر تفاسير السور، يتضح أن الرازي فسّر سورة الفتح قبل سورة الأحقاف بثلاثة أيام. ولا يعلم بشكل مؤكد هل عمل الرازي تفسيره كاملاً أم أنجز القسم الأكبر منه متوقفاً عند سورة الأحقاف. قال ابن خلكان في ترجمته للرازي: «الفقيه الشافعي، فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة، وهو كبير جداً لكنه لم يكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلد.»

وقد ذهب غالبية الباحثين إلى أنه لم يكمل تفسيره، وأن الذين أكملوا تفسيره من بين تلاميذه: شمس الدين أحمد بن خليل الخوئي، وأحمد بن محمد بن أبي الحزم المخزومي القمولي المصري المتوفى سنة 727 هـ. وإن أفضل ما قيل في هذا الموضوع ما قاله الدكتور محسن عبد الحميد، حيث أنه توصل إلى نتيجة قاطعة بعد مناقشة مستفيضة تتمثل في أن الرازي قد أتم تفسيره، وأن التفسير الكبير هو بأكمله من كتاباته وتأليفه، باستثناء بعض التعليقات المتناثرة من بعض تلاميذه، أضيفت إلى المتن، أو كتبت في الحاشية، ودخلت في المتن أثناء استنساخه.

محتوى الكتاب ومضمونه

يعد هذا التفسير موسوعة ضخمة في تفسير القرآن وعلومه، حيث يقع في اثنين وثلاثين جزءاً في ستة عشر مجلداً من القطع الكبير، مطبوعة ومتداولة بين أهل العلم حيث يحظى بين دارسي القرآن بالشهرة الواسعة نظراً لما يشتمل عليه من أبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة، كما يعد من أمهات كتب التفسير بالرأي.

الإمام الرازي لم يكتب لتفسيره مقدمة مفصلة كما فعل كثير من المفسرين، وإنما كتب في بداية تفسير سورة الفاتحة مقدمة مجملة تدل على طبيعة تفسيره، ولم يتطرق إلى الحديث عن أهداف تأليفه للتفسير. لكن الناظر في هذا التفسير يجد أموراً هامة تلفت النظر وتشد الانتباه منها:

الاهتمام بذكر المناسبات بين سور القرآن وآياته وبعضها مع بعض حتى يوضح ما عليه القرآن من ترتيب على الحكمة {تنزيل من حكيم حميد}.
كثرة الاستطراد إلى العلوم الرياضية والفلسفية والطبيعة وغيرهما.
العرض لكثير من آراء الفلاسفة والمتكلمين بالرد والتفنيد فهو على شاكلة أهل السنة ومن يعتقد معتقدهم، حيث يقف دائمًا للمعتزلة بالمرصاد يفند آراءهم ويدحض حججهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

والفخر الرازي في تفسيره لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها مع ترويجه للمذهب الشافعي الذي كان يتابعه هو في عبادته ومعاملاته.
ويضيف الرازي إلى ما سبق كثيرًا من المسائل في علوم: الأصول والبلاغة والنحو وغيرها، وان كانت هذه المسائل في مجموعها بعيدة عن الإطناب والتوسع كما هو الحال في المسائل الكونية والرياضية والفلسفية بوجه عام.

وبالجملة فتفسير الإمام الرازي أشبه ما يكون بموسوعة كبيرة في علوم الكون والطبيعة والعلوم التي تتصل اتصالا من قريب أو بعيد بعلم التفسير والعلوم الخادمة له والمترتبة عليه استنباطا وفهما. وأهم أهداف هذا التفسير تتمثل في الدفاع عن القرآن والاستشهاد له بالعلوم والمعارف، والدفاع عن العقيدة الإسلامية برد شبهات المشككين والطاعنين وبانتزاع الريادة في التفاسير العقلية من المعتزلة، وبيان التناسق والترابط بين السور والآيات القرآنية لإثبات الوحدة الموضوعية للقرآن، وكذلك للتطبيق العملي المفصل لنظرية عبد القاهر الجرجاني في النظم القرآني.

وانظر إليه بعد أن عرض لسورة الفاتحة عرضا موجزا في مقدمته إذ يقول: «أما بعد: فهذا كتاب مشتمل على شرح بعض ما رزقنا الله تعالى من علوم سورة الفاتحة، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا لإتمامه وأن يجعلنا في الدارين أهلا لإكرامه وإنعامه... وهذا الكتاب مرتب على مقدمة وكتب، أما المقدمة ففيها فصول: الفصل في التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال.» ثم يقول: «اعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض الحساد وقوم من أهل الجهل والغي والعناد وحملوا على ذلك ما ألفوه من أنفسهم من التعليقات الفارغة من المعاني والكلمات الخالية من تحقيق المعاقد والمباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب الوصول.» ثم يذكر بعد ذلك مقدمة جدلية يشفعها بقوله: فظهر بهذا الطريق أن قولنا «أعوذ بالله» مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية... ثم يؤكد ذلك مرة أخرى مع زيادة وتوسع في التفصيل والتوضيح فيقول: «فيثبت بهذا الطريق أن قولنا : «أعوذ بالله» مشتمل على عشرة آلاف مسألة وأزيد أو أقل من المسائل المهمة المعتبرة.

الإمام الرازي لم يتبع في تفسيره أسلوباً واحداً ولم يلتزم بطريقة ثابتة. ومما يدل على ذلك أنه أحياناً شرع في تفسير الآية مباشرة، وأحياناً بدأ بشرح علم من علوم التفسير مثل أسباب النزول، وأحياناً أخرى انطلق نحو المباحث البلاغية. وعن منهج الرازي في تفسيره، يقول مفتي تونس محمد الفاضل بن عاشور: "كانت الطريقة المثلى في نظره لإدراك ما في القرآن من أسرار حكيمة، وبث ما تضمنه من مطالب فلسفية وعلوم طبيعية إنما هي طريقته الكلامية المختارة، المتبعة لمنهج الغزالي، وإمام الحرمين، وأبي إسحاق الإسفراييني، والإمام أبي الحسن الأشعري…".

أهم ملامح منهج الإمام الفخر الرازي في تفسيره:

القرآن منهل جميع العلوم
إن الرازي اعتبر القرآن مصدر العلوم والمعارف كلها، الشرعية كانت أو المادية. ومن هذا المنطلق قام بتفسير القرآن، فاستنبط شتى العلوم من خلاله، ورد على الماديين والملحدين واستخرج التناسق والترابط بين القرآن والعلوم الكونية.

العناية الفائقة بالعلوم الكونية والرياضية والطبيعية
إن الرازي له مقام كبير في العلوم الكونية من علم الهيئة والفلك وغيرها. وهذا العلم قد أهمله معظم المفسرين القدماء، ولذلك أكثر الرازي الكلام فيه واهتم به اهتماماً بالغاً في تفسيره. يقول الرازي مدافعاً عن مسلكه هذا: "وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد. فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته". ثم بيّن ذلك من عدة وجوه مستدلاً بالآيات القرآنية. وهدفه من ذلك إثبات عظمة الخالق وقدرته، فالظواهر الكونية وما يجري فيها من قوانين هي من آثار قدرة الله. يقول رشيد الصالحي (ج3، ص167): «من الآراء التي يستفاد منها في دراسة أمور الحياة – التربوية وغيرها – أن الرازي يهتم بالمسائل العلمية والأمور الكونية ويوسع معاني الاستدلالات القرآنية حسب المستوى الحضاري في عصره، واتبع قاعدة تربوية ثابتة اتبعها القرآن الكريم في الاستدلال بالأثر على المؤثر.»

وتفسير الرازي يحتوي على علوم كثيرة، فهو موسوعة علمية يستفيد منها الباحثون في تخصصات مختلفة؛ ففيه التفسير والفقه، ومباحث تتعلق بالعقائد والمذاهب، وفيه المباحث اللغوية، والمباحث الكونية التي تدل على عجيب صنع الله وقدرته في خلق السماء والأرض والإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك.

الاهتمام بالمناظرة والمجادلة مع الفرق المخالفة
إن الجدال والنقاش والرد على استدلالات أصحاب الفرق الضالة والمنحرفة يعد أبرز معالم منهج الإمام الرازي. فقد اشتهر بمناظراته لأصحاب الملل والمذاهب المخالفة مثل المعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة، والكرامية، والفلاسفة، وغيرهم، والمتتبع لتفسيره يجد كثيراً من رده على أصحاب هذه المذاهب. فقد كان مجادلاً ماهراً حيث كان يثير الأسئلة ويسرد أدلة الخصم بكل دقة وأمانة، ثم يرد عليها وينقضها بأسلوب يتمثل بالعلمية والمنهجية والموضوعية. ومما يدل على ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [6:103]. فسر هذه الآية في عدة مسائل، وذكر حجج القاضي عبد الجبار في نفي رؤية الله لأهل الجنة، ثم أبطلها بأربعة وجوه، ثم ذكر إحدى عشر حجة لإثبات الرؤية بالنسبة للمؤمنين يوم القيامة.

"إن من كبار المفسرين -ونقصد فخر الدين الرازي بالخصوص- من كان واسع الأفق، لا يسكت عن الصعوبات التي تعترضه، فيطرحها بكل أمانة ويحاول تذليلها ما أمكنه ذلك، مُقَلّباً الأمر من مختلف وجوهه وموظّفاً ثقافته الموسوعية واطّلاعه على جلّ المعارف في عصره أو مفوضاً الأمر إلى الله عند الفشل في إيجاد مخرج مقنع ومكتفياً بالتسليم...".

– عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ

التركيز على بيان روائع التعبير القرآني
من أبرز معالم منهج الرازي قيامه بإظهار جمال النظم القرآني، والتعبير البياني، حيث كان يهتم بنظم الآيات، ويبين المناسبات بين الكلمات وجُملها، وبين الآيات في السورة. وهذا ما يسمى بعلم التناسب بين الآيات. قال بدر الدين الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن: "معرفة المناسبات بين الآيات: وتفسير الإمام فخر الدين فيه شيء كثير من ذلك". وهذا العلم يحتاج إلى عقلية تتميز بسعة الأفق إذ أنه يخدم معنى الآية لأنه يربط الآية بما سبقها من الآيات، ويسمي الرازي هذا العلم بكيفية النظم، وقد برع الرازي في ربط الآيات السابقة بالآيات اللاحقة. انظر على سبيل المثال تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [5:6]. ويرى الدكتور الخالدي أن بيان الرازي للمناسبات بين الآيات يصلح أن يُفرَد في رسالة خاصة.

تسليط الضوء على مكية السور ومدنيتها
من منهج الرازي في تفسيره أنه دائمًا يبدأ في تسمية السورة، ثم يبين مكيّتها ومدنيتها. فنجده يفند السورة من أولها إلى آخرها، مع الاهتمام بعدد آيات السورة وتحديد مكان نزولها بالضبط. كما قال في بداية سورة البقرة: "سورة البقرة مدنية إلا آية 281 فنزلت بمنى في حجة الوداع. وآياتها مائتان وست وثمانون". ومن الملفت للنظر أن الرازي خالف ما أجمع عليه العلماء والمفسرين في ضبطهم للسور المكية والمدنية، من ذلك سورة محمد وسورة الصف اعتبرهم الرازي سور مكية، بينما هي عند غيره سور مدنية.

الاهتمام باللغة العربية
اللغة العربية كانت من أهم اهتمامات الرازي في تفسيره، لكونها لغة القرآن. لذلك نجده غرق في بحورها، واستطال بالشرح والتعقيب، وأورد المسائل النحوية والقواعد اللغوية بكل تفريعاتها وتعدد مسائلها مع مناقشاته وتقسيماته، حيث رجح وحلل وشرح الكثير لمعاني الكلمات.

عقد الرازي في الجزء الأول من التفسير الكبير سبعة أبواب خصصها للحديث عن مسائل تتعلق باللغة مثل: الاشتقاق الأصغر، والاشتقاق الأكبر، والكلمة والكلام، والألفاظ واستعمالاتها، والحروف والأصوات. ويهدف الرازي من ذلك إلى بيان العلاقة الوثيقة بين القرآن واللغة العربية، فهي اللغة التي نزل بها القرآن، والكثير من مسائل اللغة العربية مستنبطة من آيات القرآن، يقول الرازي في تفسيره: "الكتاب الأول: في العلوم المستنبطة من قوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم): اعلم أن العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان: أحدهما المباحث المتعلقة باللغة والإعراب، والثاني: المباحث المتعلقة بعلم الأصول والفروع". ثم أخذ الرازي يفصل في المباحث المتعلقة باللغة والإعراب تفصيلا يدل على براعته ومدى تمكنه في هذا العلم. يقول رشيد الصالحي (1409هـ) في بحثه عن فخر الدين الرازي (ج3، ص147-148): «قد أحاط بعلوم اللغة العربية واتخذ منها ومن خصائص هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم أساساً للتعرف على معاني التنزيل، وذلك واضح في تفسيره الكبير للقرآن الكريم.»

وكان كثيراً ما يعتمد في شروحه اللغوية على أبي عبيدة (ت 208 هـ)، والفرّاء (ت 207 هـ)، والزجّاج، والمبرّد. وابن السكيت (ت 244 هـ)، وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في دلائل الإعجاز. وعندما تتعدد الآراء في تقدير معنى الآية، فإن الرازي عادة ما يفصح عن موقفه منها، ويختار ما يراه مناسباً ومنسجماً مع مقتضى الآية، ويحتكم إلى ما يقيم الحجة على صواب رأيه. وهذا ما يظهر في قوله عند تعرضه للآية 229 من سورة البقرة: "فهذا التفسير حسن مطابق لنظم الآية. والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجوه...". وكان للرازي بعض الآراء النقدية وهو يبحث عن معاني الآيات، إذ يشير إلى مواطن الضعف والخطأ في تفاسير غيره من العلماء. من ذلك أنه رد على الزمخشري قوله في تفسيره للآية 16 من سورة الإسراء: "فلا أدري لما أصر صاحب الكشاف على قوله مع ظهور فساده...".

الاهتمام بفواتح السور
قد برهن على آراء القائلين بأن هذا العلم مستور، وسر محجوب، استأثر الله به. وروى ذلك عن غير واحد من الصحابة والعارفين والمفسرين منهم: أبو بكر الصديق، علي بن أبي طالب، ابن عباس، والحسين بن الفضل وغيرهم. ولقد مال الرازي إلى هذا الرأي، فقال: "ولأن القول بأن هذا الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة. فوجب أن يكون حقاً لقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". كما أنه ذكر آراء القائلين بأن المراد من هذه الفواتح معلوم، وذكر احتجاجهم بالآيات والأخبار والمعقول. كما ذكر أيضاً احتجاج مخالفيهم بالآية والخبر والمعقول. ثم يقول في النهاية: "اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح يضيف، وفتح باب المجازفات مما لا سبيل إليه، فالأولى أن يفوّض علمها إلى الله".

الاهتمام بعلم القراءات
اهتم الرازي بعلم القراءات في تفسيره، وقد رفض كل القراءات الشاذة والمشكوك في صحتها، ولا يعتمد غير القراءات المتواترة الموافقة للغة العربية. قال الرازي: "قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن؛ لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواتراً". ومن آراءه أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة قراءة مردودة، ولا يجوز إلحاقها بالقرآن. وهو ينبه أولاً على القراءة المشهورة ثم يعرض بعد ذلك القراءات الأخرى. ينظر الرازي في مختلف القراءات الموافقة للمعاني القرآنية المقصودة. وهذا ما يفسر تعدد إحالاته على مشاهير القراء والمشتغلين بهذا العلم؛ فهو يسوق قراءة نافع للآية 214 من سورة البقرة، ويأخذ بقراءة حمزة للآية 217 من السورة نفسها. بالإضافة إلى ذلك اعتمد الرازي في تفسيره على آراء ابن جني (ت 393 هـ) في القراءات مأخوذة من كتابه المحتسب، وهذا ما نجده عن تفسير الرازي للآية 29 من سورة الحديد.

الاهتمام بأسباب النزول
من علوم التفسير التي أعطاها الرازي اهتماماً كبيراً أسباب النزول. ومما يدل على ذلك أنه قام بالتنبيه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [96:14]. قال الرازي: "المسألة الثانية هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى من طاعة الله فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد". وكذلك نرى الرازي يبحث عن الأسباب التي رويت في سبب النزول، ولا يقر أيهما يميل إلا بعد الرد على الآراء الأخرى المخالفة لرأيه بالنقد والتشكيك والبرهان، مستعيناً في ذلك بالأسانيد التي تؤيدها حتى يصل إلى حجة سليمة. وإن كان هناك رواية قاطعة يميل إلى ذكرها يذكرها ويذكر راويها، كما في تفسيره لهذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [2:212]. قال الرازي: "في سبب النزول وجوهاً: فالراوية الأولى: قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش، والراوية الثانية: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع، والراوية الثالثة: قال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه. واعلم انه لا مانع من نزولها في جميعهم".

والرازي لا يخوض في معنى الآية قبل النظر في سبب نزولها إن كان لها سبب نزول. ولذلك نراه يقول عند تفسيره للآية 178 من سورة البقرة: "قبل الشروع في التفسير لابد من ذكر سبب النزول". وعادة ما يخصص الرازي المسألة الأولى من مسائل تفسير الآية لمبحث سبب النزول، خاصة إذا لم تستدع الآية نظراً في قضايا اللغة والقراءات وما إلى ذلك من مباحث. ولكن يحدث أحياناً أن يتأخر ذكر سبب نزول الآية، بسبب ارتكاز سبب نزولها على قراءة معينة كما في الآية الأولى من سورة المعارج.

الاهتمام بالمسائل الفقهية
عنى الرازي بالفقه عناية فائقة، ومما ساعده على ذلك أنه كان فقيهاً ومتكلماً وفيلسوفاً. لذلك نجده لا يسلم بظواهر الأمور الفقهية، ويتعرض لكل الآراء بالعقل وليس بالنقل. ويتجلى ذلك في انتمائه إلى المذهب الشافعي وترجيحه له، لكن دون مغالاة أو مغالطة في أحد. مثال ذلك في مسألة مس الفرج قال: "المسألة الثانية عشرة: مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا ينقضه. للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية. وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام (من مس ذكره فليتوضأ). والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية. فكان الترجيح معنا".

الاهتمام بالمقارنة بين المذاهب الفقهية
كان يقارن بين مذهبه وبين المذاهب الأخرى، ولا يتوقف عن النقد إذا وجد رأياً في المذهب الشافعي لا يوافق عقله. وإذا وجد رأي صحيح من المذاهب الأخرى رجحه، وعلل ذلك بما لديه من مصادر وأسانيد تؤيده. مثلاً في مسألة القهقهة يقول: "قال أبو حنيفة رحمه الله: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء. وقال الباقون: لا تنقض. ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه".

الترفع عن كثرة الخلافات المذهبية
ترفع الرازي في تفسيره عن خلافات المذاهب الفقهية واللغوية وغيرها التي لا فائدة من ذكرها. لذلك نجده يقول: "والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير". ويقول في موضع آخر: "فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير". ويقول في موضع ثالث: "والأعذار تعلم من الفقه، ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير في بيان مسائل". وقد انتقى الرازي أجود الأقوال وأنفعها من اختلافات المفسرين، ولم يهتم بذكر كثرة اختلافاتهم في مسألة ما. وخير شاهد على ذلك قوله: "هذا أجود ما ذكره المفسرون، وقد طوّلوا في كلمات أخر، ولكن لا فائدة فيها فتركناها". وقال أيضاً في موضع آخر: "فهذا هو الكلام في لطائف هذا الخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه".


الجزء الثالث من تفسير مفاتيح الغيب.
عدم التعصب لمذهب معين
ومما سبق يتضح أن الرازي ليس بالفقيه المتعصب أو بالناقل لآراء المذاهب دون وعي واقتناع، ولكنه يمتلك العقل والعلم والأدوات التي يخوض بها في مناظراته.

التقليل من الأدلة النقلية والإكثار من التحليلات العقلية
من أبرز معالم منهج الإمام الرازي أنه لم يكثر من تفسير القرآن بالمأثور. وهذا يتماشى مع عقليته وثقافته واتجاهه الذي سلكه في تفسيره وهو التفسير بالرأي والذي يميل إلى الأسلوب العقلي الفلسفي الكلامي. ورغم ذلك كان أحياناً يفسر القرآن بأقوال السلف من الصحابة والتابعين وأحياناً أخرى يفسر القرآن بالقرآن، ويجمع بين الآيات المختلفة في الموضوع الواحد لإزالة الغموض، كما فعل في تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [2:29]. أما بالنسبة للحديث فقد أورد في تفسيره عدد قليل من الأحاديث دون تخريجها ودون بيان صحتها وضعفها.

الاستنباط والاستطراد وكثرة توليد المسائل
يقسم الرازي الموضوع إلى أقسام وتتشعب الآية إلى مسائل، والمسائل إلى وجوه، والوجوه إلى أقسام، والأقسام إلى تفريعات حتى يصل إلى غرضه المنشود في الشرح. والغرض قد يطول أو يقصر حسب كمية وكيفية خلافات الفرق والمذاهب وغير ذلك من الأمور. وقد استغرق في آيات كثيرة بالبحث والتفصيل والتفريع لدرجة تشعر القارئ المبتدئ بالارتباك أمام التقسيمات الكثيرة، ويجد صعوبة كبيرة في حصر المسائل والأقوال والأسئلة والأجوبة ثم الرد على كل سؤال بنفس التقسيم والتفريع. ولتوضيح هذه المنهجية انظر على سبيل المثال تفسيره لسورة البقرة آية 2 و31. ويظهر أن الإمام الرازي كان مولعاً بكثرة الاستنباطات والاستطرادات في تفسيره، يدل على ذلك قوله في مقدمة سورة الفاتحة: "...ان هذه السورة يمكن أن يُستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة!!".

ويصف الصفدي هذا المنهج بقوله: «وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يسبق إليه لأنه يذكر المسألة ويفتح باب تقسيمها وقسمة فروع ذلك التقسيم ويستدل بأدلة السبر والتقسيم فلا يشذ منه عن تلك المسألة فرع لها بها علاقة فانضبطت له القواعد وانحصرت له المسائل...»

الابتعاد عن الإسرائيليات
ابتعد الرازي في تفسيره عن الإسرائيليات والخرافات والأساطير ولم يذكر إلا ما له نص صريح من المصادر الموثوقة من القرآن والسنة، ورفض كل ما هو غريب وشاذ ومشكوك في صحته. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال: يقول الرازي بعد عرض الروايات الدالة على أسماء من اشترى يوسف: "واعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها". وقال عند بيان تفصيل عصا موسى: "واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب؛ لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها".

الاهتمام بوجود المواعظ ضمن تفسيره
من أسلوب الرازي في تفسيره استخدام الوعظ والإرشاد، بما له من نزعة صوفية عميقة تؤثر في سامعيه. يقول الرازي: «سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوماً، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب.»
فخر الدين الرازي - ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ مناقب الإمام الشافعي (الرازي) ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثالث: البقرة 35 - 109 ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثلاثون: الجمعة - المرسلات ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الأول: الفاتحة ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء السادس والعشرون: فاطر - الزمر 52 ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثامن والعشرون: الأحقاف - النجم 29 ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الحادي والثلاثون: النبأ - الضحى ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الرابع والعشرون: النور 36 - القصص 55 ❝ الناشرين : ❞ دار الفكر ❝ ❞ مكتبة الكليات الازهرية ❝ ❱
من كتب التفاسير وعلوم القرآن الكريم - مكتبة كتب إسلامية.

نُبذة عن الكتاب:
مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس

1981م - 1442هـ
التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب هو كتاب تفسير للقرآن من تأليف شيخ الإسلام فخر الدين الرازي (544هـ - 606هـ). التفسير الكبير ومفاتيح الغيب ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، وذلك لأنهما اسمان مشهوران بين العلماء والباحثين لتفسير واحد ألفه الإمام الفخر الرازي. وقد حاول بعض العلماء الجمع بين هذين الاسمين قائلين: ألف الرازي تفسيره الكبير المسمى مفاتيح الغيب. وهذا التفسير يعتبر أهم تفاسير المدرسة التفسيرية المنتمية إلى التفسير بالرأي المحمود، بل وأفضلها على الإطلاق. إذ يعد هذا التفسير موسوعة علمية متخصصة في مجال الدين الإسلامي عامة، وعلم التفسير على وجه الخصوص. بالإضافة إلى ذلك، أنه عمدة التفاسير العقلية للقرآن الذي يمثل ذروة المحاولة العقلية لفهم القرآن، بل هو مستودع ضخم للتوجيهات العقلية والأقوال النظرية في التفسير.

ويعد تفسيراً شاملاً لكونه اشتمل على الجمع بين التفسير بالعقل السليم والنقل الصحيح، فضلاً عن شموله لأبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة. كما يعد من أطول التفاسير القديمة والحديثة، وأكثرها تفصيلاً وعرضاً للآراء، ومناقشة للمعتقدات والمذاهب المختلفة. ويذكر فيه الإمام الرازي مناسبة السورة مع غيرها، ويذكر المناسبات بين الآيات، ويستطرد في العلوم الكونية، ويتوسع بها، كما يذكر المسائل الأصولية والنحوية والبلاغية، والاستنباطات العقلية. ويبين في تفسيره معاني القرآن الكريم، وإشاراته، وفيه أبحاث مطولة في شتى العلوم الإسلامية، كعلم الكلام، وأقوال الحكماء، ويذكر فيه مذاهب الفقهاء وأدلتهم في آيات الأحكام، وينتصر لمذهب أهل السنة في العقيدة، ويرد على المعتزلة، وأقوال الفرق الضالة، ويفند مذاهبهم، كما يرد على الفلاسفة. ويعتبر هذا الكتاب من أجل كتب التفسير وأعظمها، وأوسعها، وأغزرها مادة.

بدأ الإمام الرازي كتابة تفسيره في آخر حياته، بعد أن جاوز الخمسين من عمره، وبعد أن حصل من العلوم المختلفة على ما يؤهله للقيام بهذا العمل، وبعدما نضج عقله وكوّن فكره، وأكتملت أدواته، فأعطى عصارة جهده لهذا التفسير الضخم الكبير. ومما يدل على ذلك قول الرازي عند تفسيره سورة يوسف سنة 601 هـ: «"...وإذا عوّل العبد على الله لم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن وجه. فهذه التجربة قد استمرت لي في أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين".» لقد شرع الرازي في تفسير القرآن حوالي سنة 595 هـ، إذ أشار إلى هذا التاريخ عند فراغه من تفسير سورة آل عمران، واستمر في عمله قرابة ثماني سنوات. فآخر تاريخ أثبته الرازي في تفسيره كان بمناسبة الانتهاء من تفسيره سورة الأحقاف في ذي الحجة سنة 603 هـ. ومن الملاحظ أن السور التي جاءت بعد هذه السورة لم تُثبت تواريخ تفسيرها. استناداً إلى التواريخ المثبتة في أواخر تفاسير السور، يتضح أن الرازي فسّر سورة الفتح قبل سورة الأحقاف بثلاثة أيام. ولا يعلم بشكل مؤكد هل عمل الرازي تفسيره كاملاً أم أنجز القسم الأكبر منه متوقفاً عند سورة الأحقاف. قال ابن خلكان في ترجمته للرازي: «الفقيه الشافعي، فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة، وهو كبير جداً لكنه لم يكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلد.»

وقد ذهب غالبية الباحثين إلى أنه لم يكمل تفسيره، وأن الذين أكملوا تفسيره من بين تلاميذه: شمس الدين أحمد بن خليل الخوئي، وأحمد بن محمد بن أبي الحزم المخزومي القمولي المصري المتوفى سنة 727 هـ. وإن أفضل ما قيل في هذا الموضوع ما قاله الدكتور محسن عبد الحميد، حيث أنه توصل إلى نتيجة قاطعة بعد مناقشة مستفيضة تتمثل في أن الرازي قد أتم تفسيره، وأن التفسير الكبير هو بأكمله من كتاباته وتأليفه، باستثناء بعض التعليقات المتناثرة من بعض تلاميذه، أضيفت إلى المتن، أو كتبت في الحاشية، ودخلت في المتن أثناء استنساخه.

محتوى الكتاب ومضمونه

يعد هذا التفسير موسوعة ضخمة في تفسير القرآن وعلومه، حيث يقع في اثنين وثلاثين جزءاً في ستة عشر مجلداً من القطع الكبير، مطبوعة ومتداولة بين أهل العلم حيث يحظى بين دارسي القرآن بالشهرة الواسعة نظراً لما يشتمل عليه من أبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة، كما يعد من أمهات كتب التفسير بالرأي.

الإمام الرازي لم يكتب لتفسيره مقدمة مفصلة كما فعل كثير من المفسرين، وإنما كتب في بداية تفسير سورة الفاتحة مقدمة مجملة تدل على طبيعة تفسيره، ولم يتطرق إلى الحديث عن أهداف تأليفه للتفسير. لكن الناظر في هذا التفسير يجد أموراً هامة تلفت النظر وتشد الانتباه منها:

الاهتمام بذكر المناسبات بين سور القرآن وآياته وبعضها مع بعض حتى يوضح ما عليه القرآن من ترتيب على الحكمة {تنزيل من حكيم حميد}.
كثرة الاستطراد إلى العلوم الرياضية والفلسفية والطبيعة وغيرهما.
العرض لكثير من آراء الفلاسفة والمتكلمين بالرد والتفنيد فهو على شاكلة أهل السنة ومن يعتقد معتقدهم، حيث يقف دائمًا للمعتزلة بالمرصاد يفند آراءهم ويدحض حججهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

والفخر الرازي في تفسيره لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها مع ترويجه للمذهب الشافعي الذي كان يتابعه هو في عبادته ومعاملاته.
ويضيف الرازي إلى ما سبق كثيرًا من المسائل في علوم: الأصول والبلاغة والنحو وغيرها، وان كانت هذه المسائل في مجموعها بعيدة عن الإطناب والتوسع كما هو الحال في المسائل الكونية والرياضية والفلسفية بوجه عام.

وبالجملة فتفسير الإمام الرازي أشبه ما يكون بموسوعة كبيرة في علوم الكون والطبيعة والعلوم التي تتصل اتصالا من قريب أو بعيد بعلم التفسير والعلوم الخادمة له والمترتبة عليه استنباطا وفهما. وأهم أهداف هذا التفسير تتمثل في الدفاع عن القرآن والاستشهاد له بالعلوم والمعارف، والدفاع عن العقيدة الإسلامية برد شبهات المشككين والطاعنين وبانتزاع الريادة في التفاسير العقلية من المعتزلة، وبيان التناسق والترابط بين السور والآيات القرآنية لإثبات الوحدة الموضوعية للقرآن، وكذلك للتطبيق العملي المفصل لنظرية عبد القاهر الجرجاني في النظم القرآني.

وانظر إليه بعد أن عرض لسورة الفاتحة عرضا موجزا في مقدمته إذ يقول: «أما بعد: فهذا كتاب مشتمل على شرح بعض ما رزقنا الله تعالى من علوم سورة الفاتحة، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا لإتمامه وأن يجعلنا في الدارين أهلا لإكرامه وإنعامه... وهذا الكتاب مرتب على مقدمة وكتب، أما المقدمة ففيها فصول: الفصل في التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال.» ثم يقول: «اعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض الحساد وقوم من أهل الجهل والغي والعناد وحملوا على ذلك ما ألفوه من أنفسهم من التعليقات الفارغة من المعاني والكلمات الخالية من تحقيق المعاقد والمباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب الوصول.» ثم يذكر بعد ذلك مقدمة جدلية يشفعها بقوله: فظهر بهذا الطريق أن قولنا «أعوذ بالله» مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية... ثم يؤكد ذلك مرة أخرى مع زيادة وتوسع في التفصيل والتوضيح فيقول: «فيثبت بهذا الطريق أن قولنا : «أعوذ بالله» مشتمل على عشرة آلاف مسألة وأزيد أو أقل من المسائل المهمة المعتبرة.

الإمام الرازي لم يتبع في تفسيره أسلوباً واحداً ولم يلتزم بطريقة ثابتة. ومما يدل على ذلك أنه أحياناً شرع في تفسير الآية مباشرة، وأحياناً بدأ بشرح علم من علوم التفسير مثل أسباب النزول، وأحياناً أخرى انطلق نحو المباحث البلاغية. وعن منهج الرازي في تفسيره، يقول مفتي تونس محمد الفاضل بن عاشور: "كانت الطريقة المثلى في نظره لإدراك ما في القرآن من أسرار حكيمة، وبث ما تضمنه من مطالب فلسفية وعلوم طبيعية إنما هي طريقته الكلامية المختارة، المتبعة لمنهج الغزالي، وإمام الحرمين، وأبي إسحاق الإسفراييني، والإمام أبي الحسن الأشعري…".

أهم ملامح منهج الإمام الفخر الرازي في تفسيره:

القرآن منهل جميع العلوم
إن الرازي اعتبر القرآن مصدر العلوم والمعارف كلها، الشرعية كانت أو المادية. ومن هذا المنطلق قام بتفسير القرآن، فاستنبط شتى العلوم من خلاله، ورد على الماديين والملحدين واستخرج التناسق والترابط بين القرآن والعلوم الكونية.

العناية الفائقة بالعلوم الكونية والرياضية والطبيعية
إن الرازي له مقام كبير في العلوم الكونية من علم الهيئة والفلك وغيرها. وهذا العلم قد أهمله معظم المفسرين القدماء، ولذلك أكثر الرازي الكلام فيه واهتم به اهتماماً بالغاً في تفسيره. يقول الرازي مدافعاً عن مسلكه هذا: "وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد. فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته". ثم بيّن ذلك من عدة وجوه مستدلاً بالآيات القرآنية. وهدفه من ذلك إثبات عظمة الخالق وقدرته، فالظواهر الكونية وما يجري فيها من قوانين هي من آثار قدرة الله. يقول رشيد الصالحي (ج3، ص167): «من الآراء التي يستفاد منها في دراسة أمور الحياة – التربوية وغيرها – أن الرازي يهتم بالمسائل العلمية والأمور الكونية ويوسع معاني الاستدلالات القرآنية حسب المستوى الحضاري في عصره، واتبع قاعدة تربوية ثابتة اتبعها القرآن الكريم في الاستدلال بالأثر على المؤثر.»

وتفسير الرازي يحتوي على علوم كثيرة، فهو موسوعة علمية يستفيد منها الباحثون في تخصصات مختلفة؛ ففيه التفسير والفقه، ومباحث تتعلق بالعقائد والمذاهب، وفيه المباحث اللغوية، والمباحث الكونية التي تدل على عجيب صنع الله وقدرته في خلق السماء والأرض والإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك.

الاهتمام بالمناظرة والمجادلة مع الفرق المخالفة
إن الجدال والنقاش والرد على استدلالات أصحاب الفرق الضالة والمنحرفة يعد أبرز معالم منهج الإمام الرازي. فقد اشتهر بمناظراته لأصحاب الملل والمذاهب المخالفة مثل المعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة، والكرامية، والفلاسفة، وغيرهم، والمتتبع لتفسيره يجد كثيراً من رده على أصحاب هذه المذاهب. فقد كان مجادلاً ماهراً حيث كان يثير الأسئلة ويسرد أدلة الخصم بكل دقة وأمانة، ثم يرد عليها وينقضها بأسلوب يتمثل بالعلمية والمنهجية والموضوعية. ومما يدل على ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [6:103]. فسر هذه الآية في عدة مسائل، وذكر حجج القاضي عبد الجبار في نفي رؤية الله لأهل الجنة، ثم أبطلها بأربعة وجوه، ثم ذكر إحدى عشر حجة لإثبات الرؤية بالنسبة للمؤمنين يوم القيامة.

"إن من كبار المفسرين -ونقصد فخر الدين الرازي بالخصوص- من كان واسع الأفق، لا يسكت عن الصعوبات التي تعترضه، فيطرحها بكل أمانة ويحاول تذليلها ما أمكنه ذلك، مُقَلّباً الأمر من مختلف وجوهه وموظّفاً ثقافته الموسوعية واطّلاعه على جلّ المعارف في عصره أو مفوضاً الأمر إلى الله عند الفشل في إيجاد مخرج مقنع ومكتفياً بالتسليم...".

– عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ

التركيز على بيان روائع التعبير القرآني
من أبرز معالم منهج الرازي قيامه بإظهار جمال النظم القرآني، والتعبير البياني، حيث كان يهتم بنظم الآيات، ويبين المناسبات بين الكلمات وجُملها، وبين الآيات في السورة. وهذا ما يسمى بعلم التناسب بين الآيات. قال بدر الدين الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن: "معرفة المناسبات بين الآيات: وتفسير الإمام فخر الدين فيه شيء كثير من ذلك". وهذا العلم يحتاج إلى عقلية تتميز بسعة الأفق إذ أنه يخدم معنى الآية لأنه يربط الآية بما سبقها من الآيات، ويسمي الرازي هذا العلم بكيفية النظم، وقد برع الرازي في ربط الآيات السابقة بالآيات اللاحقة. انظر على سبيل المثال تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [5:6]. ويرى الدكتور الخالدي أن بيان الرازي للمناسبات بين الآيات يصلح أن يُفرَد في رسالة خاصة.

تسليط الضوء على مكية السور ومدنيتها
من منهج الرازي في تفسيره أنه دائمًا يبدأ في تسمية السورة، ثم يبين مكيّتها ومدنيتها. فنجده يفند السورة من أولها إلى آخرها، مع الاهتمام بعدد آيات السورة وتحديد مكان نزولها بالضبط. كما قال في بداية سورة البقرة: "سورة البقرة مدنية إلا آية 281 فنزلت بمنى في حجة الوداع. وآياتها مائتان وست وثمانون". ومن الملفت للنظر أن الرازي خالف ما أجمع عليه العلماء والمفسرين في ضبطهم للسور المكية والمدنية، من ذلك سورة محمد وسورة الصف اعتبرهم الرازي سور مكية، بينما هي عند غيره سور مدنية.

الاهتمام باللغة العربية
اللغة العربية كانت من أهم اهتمامات الرازي في تفسيره، لكونها لغة القرآن. لذلك نجده غرق في بحورها، واستطال بالشرح والتعقيب، وأورد المسائل النحوية والقواعد اللغوية بكل تفريعاتها وتعدد مسائلها مع مناقشاته وتقسيماته، حيث رجح وحلل وشرح الكثير لمعاني الكلمات.

عقد الرازي في الجزء الأول من التفسير الكبير سبعة أبواب خصصها للحديث عن مسائل تتعلق باللغة مثل: الاشتقاق الأصغر، والاشتقاق الأكبر، والكلمة والكلام، والألفاظ واستعمالاتها، والحروف والأصوات. ويهدف الرازي من ذلك إلى بيان العلاقة الوثيقة بين القرآن واللغة العربية، فهي اللغة التي نزل بها القرآن، والكثير من مسائل اللغة العربية مستنبطة من آيات القرآن، يقول الرازي في تفسيره: "الكتاب الأول: في العلوم المستنبطة من قوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم): اعلم أن العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان: أحدهما المباحث المتعلقة باللغة والإعراب، والثاني: المباحث المتعلقة بعلم الأصول والفروع". ثم أخذ الرازي يفصل في المباحث المتعلقة باللغة والإعراب تفصيلا يدل على براعته ومدى تمكنه في هذا العلم. يقول رشيد الصالحي (1409هـ) في بحثه عن فخر الدين الرازي (ج3، ص147-148): «قد أحاط بعلوم اللغة العربية واتخذ منها ومن خصائص هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم أساساً للتعرف على معاني التنزيل، وذلك واضح في تفسيره الكبير للقرآن الكريم.»

وكان كثيراً ما يعتمد في شروحه اللغوية على أبي عبيدة (ت 208 هـ)، والفرّاء (ت 207 هـ)، والزجّاج، والمبرّد. وابن السكيت (ت 244 هـ)، وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في دلائل الإعجاز. وعندما تتعدد الآراء في تقدير معنى الآية، فإن الرازي عادة ما يفصح عن موقفه منها، ويختار ما يراه مناسباً ومنسجماً مع مقتضى الآية، ويحتكم إلى ما يقيم الحجة على صواب رأيه. وهذا ما يظهر في قوله عند تعرضه للآية 229 من سورة البقرة: "فهذا التفسير حسن مطابق لنظم الآية. والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجوه...". وكان للرازي بعض الآراء النقدية وهو يبحث عن معاني الآيات، إذ يشير إلى مواطن الضعف والخطأ في تفاسير غيره من العلماء. من ذلك أنه رد على الزمخشري قوله في تفسيره للآية 16 من سورة الإسراء: "فلا أدري لما أصر صاحب الكشاف على قوله مع ظهور فساده...".

الاهتمام بفواتح السور
قد برهن على آراء القائلين بأن هذا العلم مستور، وسر محجوب، استأثر الله به. وروى ذلك عن غير واحد من الصحابة والعارفين والمفسرين منهم: أبو بكر الصديق، علي بن أبي طالب، ابن عباس، والحسين بن الفضل وغيرهم. ولقد مال الرازي إلى هذا الرأي، فقال: "ولأن القول بأن هذا الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة. فوجب أن يكون حقاً لقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". كما أنه ذكر آراء القائلين بأن المراد من هذه الفواتح معلوم، وذكر احتجاجهم بالآيات والأخبار والمعقول. كما ذكر أيضاً احتجاج مخالفيهم بالآية والخبر والمعقول. ثم يقول في النهاية: "اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح يضيف، وفتح باب المجازفات مما لا سبيل إليه، فالأولى أن يفوّض علمها إلى الله".

الاهتمام بعلم القراءات
اهتم الرازي بعلم القراءات في تفسيره، وقد رفض كل القراءات الشاذة والمشكوك في صحتها، ولا يعتمد غير القراءات المتواترة الموافقة للغة العربية. قال الرازي: "قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن؛ لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواتراً". ومن آراءه أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة قراءة مردودة، ولا يجوز إلحاقها بالقرآن. وهو ينبه أولاً على القراءة المشهورة ثم يعرض بعد ذلك القراءات الأخرى. ينظر الرازي في مختلف القراءات الموافقة للمعاني القرآنية المقصودة. وهذا ما يفسر تعدد إحالاته على مشاهير القراء والمشتغلين بهذا العلم؛ فهو يسوق قراءة نافع للآية 214 من سورة البقرة، ويأخذ بقراءة حمزة للآية 217 من السورة نفسها. بالإضافة إلى ذلك اعتمد الرازي في تفسيره على آراء ابن جني (ت 393 هـ) في القراءات مأخوذة من كتابه المحتسب، وهذا ما نجده عن تفسير الرازي للآية 29 من سورة الحديد.

الاهتمام بأسباب النزول
من علوم التفسير التي أعطاها الرازي اهتماماً كبيراً أسباب النزول. ومما يدل على ذلك أنه قام بالتنبيه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [96:14]. قال الرازي: "المسألة الثانية هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى من طاعة الله فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد". وكذلك نرى الرازي يبحث عن الأسباب التي رويت في سبب النزول، ولا يقر أيهما يميل إلا بعد الرد على الآراء الأخرى المخالفة لرأيه بالنقد والتشكيك والبرهان، مستعيناً في ذلك بالأسانيد التي تؤيدها حتى يصل إلى حجة سليمة. وإن كان هناك رواية قاطعة يميل إلى ذكرها يذكرها ويذكر راويها، كما في تفسيره لهذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [2:212]. قال الرازي: "في سبب النزول وجوهاً: فالراوية الأولى: قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش، والراوية الثانية: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع، والراوية الثالثة: قال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه. واعلم انه لا مانع من نزولها في جميعهم".

والرازي لا يخوض في معنى الآية قبل النظر في سبب نزولها إن كان لها سبب نزول. ولذلك نراه يقول عند تفسيره للآية 178 من سورة البقرة: "قبل الشروع في التفسير لابد من ذكر سبب النزول". وعادة ما يخصص الرازي المسألة الأولى من مسائل تفسير الآية لمبحث سبب النزول، خاصة إذا لم تستدع الآية نظراً في قضايا اللغة والقراءات وما إلى ذلك من مباحث. ولكن يحدث أحياناً أن يتأخر ذكر سبب نزول الآية، بسبب ارتكاز سبب نزولها على قراءة معينة كما في الآية الأولى من سورة المعارج.

الاهتمام بالمسائل الفقهية
عنى الرازي بالفقه عناية فائقة، ومما ساعده على ذلك أنه كان فقيهاً ومتكلماً وفيلسوفاً. لذلك نجده لا يسلم بظواهر الأمور الفقهية، ويتعرض لكل الآراء بالعقل وليس بالنقل. ويتجلى ذلك في انتمائه إلى المذهب الشافعي وترجيحه له، لكن دون مغالاة أو مغالطة في أحد. مثال ذلك في مسألة مس الفرج قال: "المسألة الثانية عشرة: مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا ينقضه. للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية. وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام (من مس ذكره فليتوضأ). والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية. فكان الترجيح معنا".

الاهتمام بالمقارنة بين المذاهب الفقهية
كان يقارن بين مذهبه وبين المذاهب الأخرى، ولا يتوقف عن النقد إذا وجد رأياً في المذهب الشافعي لا يوافق عقله. وإذا وجد رأي صحيح من المذاهب الأخرى رجحه، وعلل ذلك بما لديه من مصادر وأسانيد تؤيده. مثلاً في مسألة القهقهة يقول: "قال أبو حنيفة رحمه الله: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء. وقال الباقون: لا تنقض. ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه".

الترفع عن كثرة الخلافات المذهبية
ترفع الرازي في تفسيره عن خلافات المذاهب الفقهية واللغوية وغيرها التي لا فائدة من ذكرها. لذلك نجده يقول: "والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير". ويقول في موضع آخر: "فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير". ويقول في موضع ثالث: "والأعذار تعلم من الفقه، ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير في بيان مسائل". وقد انتقى الرازي أجود الأقوال وأنفعها من اختلافات المفسرين، ولم يهتم بذكر كثرة اختلافاتهم في مسألة ما. وخير شاهد على ذلك قوله: "هذا أجود ما ذكره المفسرون، وقد طوّلوا في كلمات أخر، ولكن لا فائدة فيها فتركناها". وقال أيضاً في موضع آخر: "فهذا هو الكلام في لطائف هذا الخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه".


الجزء الثالث من تفسير مفاتيح الغيب.
عدم التعصب لمذهب معين
ومما سبق يتضح أن الرازي ليس بالفقيه المتعصب أو بالناقل لآراء المذاهب دون وعي واقتناع، ولكنه يمتلك العقل والعلم والأدوات التي يخوض بها في مناظراته.

التقليل من الأدلة النقلية والإكثار من التحليلات العقلية
من أبرز معالم منهج الإمام الرازي أنه لم يكثر من تفسير القرآن بالمأثور. وهذا يتماشى مع عقليته وثقافته واتجاهه الذي سلكه في تفسيره وهو التفسير بالرأي والذي يميل إلى الأسلوب العقلي الفلسفي الكلامي. ورغم ذلك كان أحياناً يفسر القرآن بأقوال السلف من الصحابة والتابعين وأحياناً أخرى يفسر القرآن بالقرآن، ويجمع بين الآيات المختلفة في الموضوع الواحد لإزالة الغموض، كما فعل في تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [2:29]. أما بالنسبة للحديث فقد أورد في تفسيره عدد قليل من الأحاديث دون تخريجها ودون بيان صحتها وضعفها.

الاستنباط والاستطراد وكثرة توليد المسائل
يقسم الرازي الموضوع إلى أقسام وتتشعب الآية إلى مسائل، والمسائل إلى وجوه، والوجوه إلى أقسام، والأقسام إلى تفريعات حتى يصل إلى غرضه المنشود في الشرح. والغرض قد يطول أو يقصر حسب كمية وكيفية خلافات الفرق والمذاهب وغير ذلك من الأمور. وقد استغرق في آيات كثيرة بالبحث والتفصيل والتفريع لدرجة تشعر القارئ المبتدئ بالارتباك أمام التقسيمات الكثيرة، ويجد صعوبة كبيرة في حصر المسائل والأقوال والأسئلة والأجوبة ثم الرد على كل سؤال بنفس التقسيم والتفريع. ولتوضيح هذه المنهجية انظر على سبيل المثال تفسيره لسورة البقرة آية 2 و31. ويظهر أن الإمام الرازي كان مولعاً بكثرة الاستنباطات والاستطرادات في تفسيره، يدل على ذلك قوله في مقدمة سورة الفاتحة: "...ان هذه السورة يمكن أن يُستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة!!".

ويصف الصفدي هذا المنهج بقوله: «وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يسبق إليه لأنه يذكر المسألة ويفتح باب تقسيمها وقسمة فروع ذلك التقسيم ويستدل بأدلة السبر والتقسيم فلا يشذ منه عن تلك المسألة فرع لها بها علاقة فانضبطت له القواعد وانحصرت له المسائل...»

الابتعاد عن الإسرائيليات
ابتعد الرازي في تفسيره عن الإسرائيليات والخرافات والأساطير ولم يذكر إلا ما له نص صريح من المصادر الموثوقة من القرآن والسنة، ورفض كل ما هو غريب وشاذ ومشكوك في صحته. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال: يقول الرازي بعد عرض الروايات الدالة على أسماء من اشترى يوسف: "واعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها". وقال عند بيان تفصيل عصا موسى: "واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب؛ لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها".

الاهتمام بوجود المواعظ ضمن تفسيره
من أسلوب الرازي في تفسيره استخدام الوعظ والإرشاد، بما له من نزعة صوفية عميقة تؤثر في سامعيه. يقول الرازي: «سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوماً، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب.» .
المزيد..

تعليقات القرّاء:

التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب هو كتاب تفسير للقرآن من تأليف شيخ الإسلام فخر الدين الرازي (544هـ - 606هـ). التفسير الكبير ومفاتيح الغيب ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، وذلك لأنهما اسمان مشهوران بين العلماء والباحثين لتفسير واحد ألفه الإمام الفخر الرازي. وقد حاول بعض العلماء الجمع بين هذين الاسمين قائلين: ألف الرازي تفسيره الكبير المسمى مفاتيح الغيب. وهذا التفسير يعتبر أهم تفاسير المدرسة التفسيرية المنتمية إلى التفسير بالرأي المحمود، بل وأفضلها على الإطلاق. إذ يعد هذا التفسير موسوعة علمية متخصصة في مجال الدين الإسلامي عامة، وعلم التفسير على وجه الخصوص. بالإضافة إلى ذلك، أنه عمدة التفاسير العقلية للقرآن الذي يمثل ذروة المحاولة العقلية لفهم القرآن، بل هو مستودع ضخم للتوجيهات العقلية والأقوال النظرية في التفسير.

 ويعد تفسيراً شاملاً لكونه اشتمل على الجمع بين التفسير بالعقل السليم والنقل الصحيح، فضلاً عن شموله لأبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة. كما يعد من أطول التفاسير القديمة والحديثة، وأكثرها تفصيلاً وعرضاً للآراء، ومناقشة للمعتقدات والمذاهب المختلفة. ويذكر فيه الإمام الرازي مناسبة السورة مع غيرها، ويذكر المناسبات بين الآيات، ويستطرد في العلوم الكونية، ويتوسع بها، كما يذكر المسائل الأصولية والنحوية والبلاغية، والاستنباطات العقلية. ويبين في تفسيره معاني القرآن الكريم، وإشاراته، وفيه أبحاث مطولة في شتى العلوم الإسلامية، كعلم الكلام، وأقوال الحكماء، ويذكر فيه مذاهب الفقهاء وأدلتهم في آيات الأحكام، وينتصر لمذهب أهل السنة في العقيدة، ويرد على المعتزلة، وأقوال الفرق الضالة، ويفند مذاهبهم، كما يرد على الفلاسفة. ويعتبر هذا الكتاب من أجل كتب التفسير وأعظمها، وأوسعها، وأغزرها مادة.

بدأ الإمام الرازي كتابة تفسيره في آخر حياته، بعد أن جاوز الخمسين من عمره، وبعد أن حصل من العلوم المختلفة على ما يؤهله للقيام بهذا العمل، وبعدما نضج عقله وكوّن فكره، وأكتملت أدواته، فأعطى عصارة جهده لهذا التفسير الضخم الكبير. ومما يدل على ذلك قول الرازي عند تفسيره سورة يوسف سنة 601 هـ: «"...وإذا عوّل العبد على الله لم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن وجه. فهذه التجربة قد استمرت لي في أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين".» لقد شرع الرازي في تفسير القرآن حوالي سنة 595 هـ، إذ أشار إلى هذا التاريخ عند فراغه من تفسير سورة آل عمران، واستمر في عمله قرابة ثماني سنوات. فآخر تاريخ أثبته الرازي في تفسيره كان بمناسبة الانتهاء من تفسيره سورة الأحقاف في ذي الحجة سنة 603 هـ. ومن الملاحظ أن السور التي جاءت بعد هذه السورة لم تُثبت تواريخ تفسيرها. استناداً إلى التواريخ المثبتة في أواخر تفاسير السور، يتضح أن الرازي فسّر سورة الفتح قبل سورة الأحقاف بثلاثة أيام. ولا يعلم بشكل مؤكد هل عمل الرازي تفسيره كاملاً أم أنجز القسم الأكبر منه متوقفاً عند سورة الأحقاف. قال ابن خلكان في ترجمته للرازي: «الفقيه الشافعي، فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة، وهو كبير جداً لكنه لم يكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلد.»

وقد ذهب غالبية الباحثين إلى أنه لم يكمل تفسيره، وأن الذين أكملوا تفسيره من بين تلاميذه: شمس الدين أحمد بن خليل الخوئي، وأحمد بن محمد بن أبي الحزم المخزومي القمولي المصري المتوفى سنة 727 هـ. وإن أفضل ما قيل في هذا الموضوع ما قاله الدكتور محسن عبد الحميد، حيث أنه توصل إلى نتيجة قاطعة بعد مناقشة مستفيضة تتمثل في أن الرازي قد أتم تفسيره، وأن التفسير الكبير هو بأكمله من كتاباته وتأليفه، باستثناء بعض التعليقات المتناثرة من بعض تلاميذه، أضيفت إلى المتن، أو كتبت في الحاشية، ودخلت في المتن أثناء استنساخه.

محتوى الكتاب ومضمونه

يعد هذا التفسير موسوعة ضخمة في تفسير القرآن وعلومه، حيث يقع في اثنين وثلاثين جزءاً في ستة عشر مجلداً من القطع الكبير، مطبوعة ومتداولة بين أهل العلم حيث يحظى بين دارسي القرآن بالشهرة الواسعة نظراً لما يشتمل عليه من أبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة، كما يعد من أمهات كتب التفسير بالرأي.

الإمام الرازي لم يكتب لتفسيره مقدمة مفصلة كما فعل كثير من المفسرين، وإنما كتب في بداية تفسير سورة الفاتحة مقدمة مجملة تدل على طبيعة تفسيره، ولم يتطرق إلى الحديث عن أهداف تأليفه للتفسير. لكن الناظر في هذا التفسير يجد أموراً هامة تلفت النظر وتشد الانتباه منها:

الاهتمام بذكر المناسبات بين سور القرآن وآياته وبعضها مع بعض حتى يوضح ما عليه القرآن من ترتيب على الحكمة {تنزيل من حكيم حميد}.
كثرة الاستطراد إلى العلوم الرياضية والفلسفية والطبيعة وغيرهما.
العرض لكثير من آراء الفلاسفة والمتكلمين بالرد والتفنيد فهو على شاكلة أهل السنة ومن يعتقد معتقدهم، حيث يقف دائمًا للمعتزلة بالمرصاد يفند آراءهم ويدحض حججهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

والفخر الرازي في تفسيره لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها مع ترويجه للمذهب الشافعي الذي كان يتابعه هو في عبادته ومعاملاته.
ويضيف الرازي إلى ما سبق كثيرًا من المسائل في علوم: الأصول والبلاغة والنحو وغيرها، وان كانت هذه المسائل في مجموعها بعيدة عن الإطناب والتوسع كما هو الحال في المسائل الكونية والرياضية والفلسفية بوجه عام.

وبالجملة فتفسير الإمام الرازي أشبه ما يكون بموسوعة كبيرة في علوم الكون والطبيعة والعلوم التي تتصل اتصالا من قريب أو بعيد بعلم التفسير والعلوم الخادمة له والمترتبة عليه استنباطا وفهما. وأهم أهداف هذا التفسير تتمثل في الدفاع عن القرآن والاستشهاد له بالعلوم والمعارف، والدفاع عن العقيدة الإسلامية برد شبهات المشككين والطاعنين وبانتزاع الريادة في التفاسير العقلية من المعتزلة، وبيان التناسق والترابط بين السور والآيات القرآنية لإثبات الوحدة الموضوعية للقرآن، وكذلك للتطبيق العملي المفصل لنظرية عبد القاهر الجرجاني في النظم القرآني.

وانظر إليه بعد أن عرض لسورة الفاتحة عرضا موجزا في مقدمته إذ يقول: «أما بعد: فهذا كتاب مشتمل على شرح بعض ما رزقنا الله تعالى من علوم سورة الفاتحة، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا لإتمامه وأن يجعلنا في الدارين أهلا لإكرامه وإنعامه... وهذا الكتاب مرتب على مقدمة وكتب، أما المقدمة ففيها فصول: الفصل في التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال.» ثم يقول: «اعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض الحساد وقوم من أهل الجهل والغي والعناد وحملوا على ذلك ما ألفوه من أنفسهم من التعليقات الفارغة من المعاني والكلمات الخالية من تحقيق المعاقد والمباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب الوصول.» ثم يذكر بعد ذلك مقدمة جدلية يشفعها بقوله: فظهر بهذا الطريق أن قولنا «أعوذ بالله» مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية... ثم يؤكد ذلك مرة أخرى مع زيادة وتوسع في التفصيل والتوضيح فيقول: «فيثبت بهذا الطريق أن قولنا : «أعوذ بالله» مشتمل على عشرة آلاف مسألة وأزيد أو أقل من المسائل المهمة المعتبرة.

الإمام الرازي لم يتبع في تفسيره أسلوباً واحداً ولم يلتزم بطريقة ثابتة. ومما يدل على ذلك أنه أحياناً شرع في تفسير الآية مباشرة، وأحياناً بدأ بشرح علم من علوم التفسير مثل أسباب النزول، وأحياناً أخرى انطلق نحو المباحث البلاغية. وعن منهج الرازي في تفسيره، يقول مفتي تونس محمد الفاضل بن عاشور: "كانت الطريقة المثلى في نظره لإدراك ما في القرآن من أسرار حكيمة، وبث ما تضمنه من مطالب فلسفية وعلوم طبيعية إنما هي طريقته الكلامية المختارة، المتبعة لمنهج الغزالي، وإمام الحرمين، وأبي إسحاق الإسفراييني، والإمام أبي الحسن الأشعري…".

أهم ملامح منهج الإمام الفخر الرازي في تفسيره:

القرآن منهل جميع العلوم
إن الرازي اعتبر القرآن مصدر العلوم والمعارف كلها، الشرعية كانت أو المادية. ومن هذا المنطلق قام بتفسير القرآن، فاستنبط شتى العلوم من خلاله، ورد على الماديين والملحدين واستخرج التناسق والترابط بين القرآن والعلوم الكونية.

العناية الفائقة بالعلوم الكونية والرياضية والطبيعية
إن الرازي له مقام كبير في العلوم الكونية من علم الهيئة والفلك وغيرها. وهذا العلم قد أهمله معظم المفسرين القدماء، ولذلك أكثر الرازي الكلام فيه واهتم به اهتماماً بالغاً في تفسيره. يقول الرازي مدافعاً عن مسلكه هذا: "وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد. فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته". ثم بيّن ذلك من عدة وجوه مستدلاً بالآيات القرآنية. وهدفه من ذلك إثبات عظمة الخالق وقدرته، فالظواهر الكونية وما يجري فيها من قوانين هي من آثار قدرة الله. يقول رشيد الصالحي (ج3، ص167): «من الآراء التي يستفاد منها في دراسة أمور الحياة – التربوية وغيرها – أن الرازي يهتم بالمسائل العلمية والأمور الكونية ويوسع معاني الاستدلالات القرآنية حسب المستوى الحضاري في عصره، واتبع قاعدة تربوية ثابتة اتبعها القرآن الكريم في الاستدلال بالأثر على المؤثر.»

وتفسير الرازي يحتوي على علوم كثيرة، فهو موسوعة علمية يستفيد منها الباحثون في تخصصات مختلفة؛ ففيه التفسير والفقه، ومباحث تتعلق بالعقائد والمذاهب، وفيه المباحث اللغوية، والمباحث الكونية التي تدل على عجيب صنع الله وقدرته في خلق السماء والأرض والإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك.

الاهتمام بالمناظرة والمجادلة مع الفرق المخالفة
إن الجدال والنقاش والرد على استدلالات أصحاب الفرق الضالة والمنحرفة يعد أبرز معالم منهج الإمام الرازي. فقد اشتهر بمناظراته لأصحاب الملل والمذاهب المخالفة مثل المعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة، والكرامية، والفلاسفة، وغيرهم، والمتتبع لتفسيره يجد كثيراً من رده على أصحاب هذه المذاهب. فقد كان مجادلاً ماهراً حيث كان يثير الأسئلة ويسرد أدلة الخصم بكل دقة وأمانة، ثم يرد عليها وينقضها بأسلوب يتمثل بالعلمية والمنهجية والموضوعية. ومما يدل على ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [6:103]. فسر هذه الآية في عدة مسائل، وذكر حجج القاضي عبد الجبار في نفي رؤية الله لأهل الجنة، ثم أبطلها بأربعة وجوه، ثم ذكر إحدى عشر حجة لإثبات الرؤية بالنسبة للمؤمنين يوم القيامة.

"إن من كبار المفسرين -ونقصد فخر الدين الرازي بالخصوص- من كان واسع الأفق، لا يسكت عن الصعوبات التي تعترضه، فيطرحها بكل أمانة ويحاول تذليلها ما أمكنه ذلك، مُقَلّباً الأمر من مختلف وجوهه وموظّفاً ثقافته الموسوعية واطّلاعه على جلّ المعارف في عصره أو مفوضاً الأمر إلى الله عند الفشل في إيجاد مخرج مقنع ومكتفياً بالتسليم...".

– عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ

التركيز على بيان روائع التعبير القرآني
من أبرز معالم منهج الرازي قيامه بإظهار جمال النظم القرآني، والتعبير البياني، حيث كان يهتم بنظم الآيات، ويبين المناسبات بين الكلمات وجُملها، وبين الآيات في السورة. وهذا ما يسمى بعلم التناسب بين الآيات. قال بدر الدين الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن: "معرفة المناسبات بين الآيات: وتفسير الإمام فخر الدين فيه شيء كثير من ذلك". وهذا العلم يحتاج إلى عقلية تتميز بسعة الأفق إذ أنه يخدم معنى الآية لأنه يربط الآية بما سبقها من الآيات، ويسمي الرازي هذا العلم بكيفية النظم، وقد برع الرازي في ربط الآيات السابقة بالآيات اللاحقة. انظر على سبيل المثال تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [5:6]. ويرى الدكتور الخالدي أن بيان الرازي للمناسبات بين الآيات يصلح أن يُفرَد في رسالة خاصة.

تسليط الضوء على مكية السور ومدنيتها
من منهج الرازي في تفسيره أنه دائمًا يبدأ في تسمية السورة، ثم يبين مكيّتها ومدنيتها. فنجده يفند السورة من أولها إلى آخرها، مع الاهتمام بعدد آيات السورة وتحديد مكان نزولها بالضبط. كما قال في بداية سورة البقرة: "سورة البقرة مدنية إلا آية 281 فنزلت بمنى في حجة الوداع. وآياتها مائتان وست وثمانون". ومن الملفت للنظر أن الرازي خالف ما أجمع عليه العلماء والمفسرين في ضبطهم للسور المكية والمدنية، من ذلك سورة محمد وسورة الصف اعتبرهم الرازي سور مكية، بينما هي عند غيره سور مدنية.

الاهتمام باللغة العربية
اللغة العربية كانت من أهم اهتمامات الرازي في تفسيره، لكونها لغة القرآن. لذلك نجده غرق في بحورها، واستطال بالشرح والتعقيب، وأورد المسائل النحوية والقواعد اللغوية بكل تفريعاتها وتعدد مسائلها مع مناقشاته وتقسيماته، حيث رجح وحلل وشرح الكثير لمعاني الكلمات.

عقد الرازي في الجزء الأول من التفسير الكبير سبعة أبواب خصصها للحديث عن مسائل تتعلق باللغة مثل: الاشتقاق الأصغر، والاشتقاق الأكبر، والكلمة والكلام، والألفاظ واستعمالاتها، والحروف والأصوات. ويهدف الرازي من ذلك إلى بيان العلاقة الوثيقة بين القرآن واللغة العربية، فهي اللغة التي نزل بها القرآن، والكثير من مسائل اللغة العربية مستنبطة من آيات القرآن، يقول الرازي في تفسيره: "الكتاب الأول: في العلوم المستنبطة من قوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم): اعلم أن العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان: أحدهما المباحث المتعلقة باللغة والإعراب، والثاني: المباحث المتعلقة بعلم الأصول والفروع". ثم أخذ الرازي يفصل في المباحث المتعلقة باللغة والإعراب تفصيلا يدل على براعته ومدى تمكنه في هذا العلم. يقول رشيد الصالحي (1409هـ) في بحثه عن فخر الدين الرازي (ج3، ص147-148): «قد أحاط بعلوم اللغة العربية واتخذ منها ومن خصائص هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم أساساً للتعرف على معاني التنزيل، وذلك واضح في تفسيره الكبير للقرآن الكريم.»

وكان كثيراً ما يعتمد في شروحه اللغوية على أبي عبيدة (ت 208 هـ)، والفرّاء (ت 207 هـ)، والزجّاج، والمبرّد. وابن السكيت (ت 244 هـ)، وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في دلائل الإعجاز. وعندما تتعدد الآراء في تقدير معنى الآية، فإن الرازي عادة ما يفصح عن موقفه منها، ويختار ما يراه مناسباً ومنسجماً مع مقتضى الآية، ويحتكم إلى ما يقيم الحجة على صواب رأيه. وهذا ما يظهر في قوله عند تعرضه للآية 229 من سورة البقرة: "فهذا التفسير حسن مطابق لنظم الآية. والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجوه...". وكان للرازي بعض الآراء النقدية وهو يبحث عن معاني الآيات، إذ يشير إلى مواطن الضعف والخطأ في تفاسير غيره من العلماء. من ذلك أنه رد على الزمخشري قوله في تفسيره للآية 16 من سورة الإسراء: "فلا أدري لما أصر صاحب الكشاف على قوله مع ظهور فساده...".

الاهتمام بفواتح السور
قد برهن على آراء القائلين بأن هذا العلم مستور، وسر محجوب، استأثر الله به. وروى ذلك عن غير واحد من الصحابة والعارفين والمفسرين منهم: أبو بكر الصديق، علي بن أبي طالب، ابن عباس، والحسين بن الفضل وغيرهم. ولقد مال الرازي إلى هذا الرأي، فقال: "ولأن القول بأن هذا الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة. فوجب أن يكون حقاً لقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". كما أنه ذكر آراء القائلين بأن المراد من هذه الفواتح معلوم، وذكر احتجاجهم بالآيات والأخبار والمعقول. كما ذكر أيضاً احتجاج مخالفيهم بالآية والخبر والمعقول. ثم يقول في النهاية: "اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح يضيف، وفتح باب المجازفات مما لا سبيل إليه، فالأولى أن يفوّض علمها إلى الله".

الاهتمام بعلم القراءات
اهتم الرازي بعلم القراءات في تفسيره، وقد رفض كل القراءات الشاذة والمشكوك في صحتها، ولا يعتمد غير القراءات المتواترة الموافقة للغة العربية. قال الرازي: "قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن؛ لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواتراً". ومن آراءه أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة قراءة مردودة، ولا يجوز إلحاقها بالقرآن. وهو ينبه أولاً على القراءة المشهورة ثم يعرض بعد ذلك القراءات الأخرى. ينظر الرازي في مختلف القراءات الموافقة للمعاني القرآنية المقصودة. وهذا ما يفسر تعدد إحالاته على مشاهير القراء والمشتغلين بهذا العلم؛ فهو يسوق قراءة نافع للآية 214 من سورة البقرة، ويأخذ بقراءة حمزة للآية 217 من السورة نفسها. بالإضافة إلى ذلك اعتمد الرازي في تفسيره على آراء ابن جني (ت 393 هـ) في القراءات مأخوذة من كتابه المحتسب، وهذا ما نجده عن تفسير الرازي للآية 29 من سورة الحديد.

الاهتمام بأسباب النزول
من علوم التفسير التي أعطاها الرازي اهتماماً كبيراً أسباب النزول. ومما يدل على ذلك أنه قام بالتنبيه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [96:14]. قال الرازي: "المسألة الثانية هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى من طاعة الله فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد". وكذلك نرى الرازي يبحث عن الأسباب التي رويت في سبب النزول، ولا يقر أيهما يميل إلا بعد الرد على الآراء الأخرى المخالفة لرأيه بالنقد والتشكيك والبرهان، مستعيناً في ذلك بالأسانيد التي تؤيدها حتى يصل إلى حجة سليمة. وإن كان هناك رواية قاطعة يميل إلى ذكرها يذكرها ويذكر راويها، كما في تفسيره لهذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [2:212]. قال الرازي: "في سبب النزول وجوهاً: فالراوية الأولى: قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش، والراوية الثانية: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع، والراوية الثالثة: قال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه. واعلم انه لا مانع من نزولها في جميعهم".

والرازي لا يخوض في معنى الآية قبل النظر في سبب نزولها إن كان لها سبب نزول. ولذلك نراه يقول عند تفسيره للآية 178 من سورة البقرة: "قبل الشروع في التفسير لابد من ذكر سبب النزول". وعادة ما يخصص الرازي المسألة الأولى من مسائل تفسير الآية لمبحث سبب النزول، خاصة إذا لم تستدع الآية نظراً في قضايا اللغة والقراءات وما إلى ذلك من مباحث. ولكن يحدث أحياناً أن يتأخر ذكر سبب نزول الآية، بسبب ارتكاز سبب نزولها على قراءة معينة كما في الآية الأولى من سورة المعارج.

الاهتمام بالمسائل الفقهية
عنى الرازي بالفقه عناية فائقة، ومما ساعده على ذلك أنه كان فقيهاً ومتكلماً وفيلسوفاً. لذلك نجده لا يسلم بظواهر الأمور الفقهية، ويتعرض لكل الآراء بالعقل وليس بالنقل. ويتجلى ذلك في انتمائه إلى المذهب الشافعي وترجيحه له، لكن دون مغالاة أو مغالطة في أحد. مثال ذلك في مسألة مس الفرج قال: "المسألة الثانية عشرة: مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا ينقضه. للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية. وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام (من مس ذكره فليتوضأ). والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية. فكان الترجيح معنا".

الاهتمام بالمقارنة بين المذاهب الفقهية
كان يقارن بين مذهبه وبين المذاهب الأخرى، ولا يتوقف عن النقد إذا وجد رأياً في المذهب الشافعي لا يوافق عقله. وإذا وجد رأي صحيح من المذاهب الأخرى رجحه، وعلل ذلك بما لديه من مصادر وأسانيد تؤيده. مثلاً في مسألة القهقهة يقول: "قال أبو حنيفة رحمه الله: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء. وقال الباقون: لا تنقض. ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه".

الترفع عن كثرة الخلافات المذهبية
ترفع الرازي في تفسيره عن خلافات المذاهب الفقهية واللغوية وغيرها التي لا فائدة من ذكرها. لذلك نجده يقول: "والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير". ويقول في موضع آخر: "فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير". ويقول في موضع ثالث: "والأعذار تعلم من الفقه، ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير في بيان مسائل". وقد انتقى الرازي أجود الأقوال وأنفعها من اختلافات المفسرين، ولم يهتم بذكر كثرة اختلافاتهم في مسألة ما. وخير شاهد على ذلك قوله: "هذا أجود ما ذكره المفسرون، وقد طوّلوا في كلمات أخر، ولكن لا فائدة فيها فتركناها". وقال أيضاً في موضع آخر: "فهذا هو الكلام في لطائف هذا الخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه".


الجزء الثالث من تفسير مفاتيح الغيب.
عدم التعصب لمذهب معين
ومما سبق يتضح أن الرازي ليس بالفقيه المتعصب أو بالناقل لآراء المذاهب دون وعي واقتناع، ولكنه يمتلك العقل والعلم والأدوات التي يخوض بها في مناظراته.

التقليل من الأدلة النقلية والإكثار من التحليلات العقلية
من أبرز معالم منهج الإمام الرازي أنه لم يكثر من تفسير القرآن بالمأثور. وهذا يتماشى مع عقليته وثقافته واتجاهه الذي سلكه في تفسيره وهو التفسير بالرأي والذي يميل إلى الأسلوب العقلي الفلسفي الكلامي. ورغم ذلك كان أحياناً يفسر القرآن بأقوال السلف من الصحابة والتابعين وأحياناً أخرى يفسر القرآن بالقرآن، ويجمع بين الآيات المختلفة في الموضوع الواحد لإزالة الغموض، كما فعل في تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [2:29]. أما بالنسبة للحديث فقد أورد في تفسيره عدد قليل من الأحاديث دون تخريجها ودون بيان صحتها وضعفها.

الاستنباط والاستطراد وكثرة توليد المسائل
يقسم الرازي الموضوع إلى أقسام وتتشعب الآية إلى مسائل، والمسائل إلى وجوه، والوجوه إلى أقسام، والأقسام إلى تفريعات حتى يصل إلى غرضه المنشود في الشرح. والغرض قد يطول أو يقصر حسب كمية وكيفية خلافات الفرق والمذاهب وغير ذلك من الأمور. وقد استغرق في آيات كثيرة بالبحث والتفصيل والتفريع لدرجة تشعر القارئ المبتدئ بالارتباك أمام التقسيمات الكثيرة، ويجد صعوبة كبيرة في حصر المسائل والأقوال والأسئلة والأجوبة ثم الرد على كل سؤال بنفس التقسيم والتفريع. ولتوضيح هذه المنهجية انظر على سبيل المثال تفسيره لسورة البقرة آية 2 و31. ويظهر أن الإمام الرازي كان مولعاً بكثرة الاستنباطات والاستطرادات في تفسيره، يدل على ذلك قوله في مقدمة سورة الفاتحة: "...ان هذه السورة يمكن أن يُستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة!!".

ويصف الصفدي هذا المنهج بقوله: «وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يسبق إليه لأنه يذكر المسألة ويفتح باب تقسيمها وقسمة فروع ذلك التقسيم ويستدل بأدلة السبر والتقسيم فلا يشذ منه عن تلك المسألة فرع لها بها علاقة فانضبطت له القواعد وانحصرت له المسائل...»

الابتعاد عن الإسرائيليات
ابتعد الرازي في تفسيره عن الإسرائيليات والخرافات والأساطير ولم يذكر إلا ما له نص صريح من المصادر الموثوقة من القرآن والسنة، ورفض كل ما هو غريب وشاذ ومشكوك في صحته. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال: يقول الرازي بعد عرض الروايات الدالة على أسماء من اشترى يوسف: "واعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها". وقال عند بيان تفصيل عصا موسى: "واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب؛ لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها".

الاهتمام بوجود المواعظ ضمن تفسيره
من أسلوب الرازي في تفسيره استخدام الوعظ والإرشاد، بما له من نزعة صوفية عميقة تؤثر في سامعيه. يقول الرازي: «سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوماً، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب.»

*أنزل الله القرآن الكريم على نبيّه مُحمّد صلّى الله عليه وسلّم ليكون كتاب هداية ورحمة للبشريّة جمعاء، وقد انزله الله سُبحانهُ وتعالى باللغة العربيّة وهذا من تمام تشريف الله سُبحانهُ وتعالى للغة العربيّة بين سائر اللغات، لأنّ القرآن الكريم هوَ من اعظم الكتب السماوية التي أنزلها الله على أهل الأرض، وهوَ كتابٌ خالد بخلود هذهِ الأرض، لذا فنستنج منهُ خلود هذهِ اللغة التي حفظها الله بالقرآن الكريم من الضياع أو النسيان، ولفهم القرآن الكريم يجب على المُسلم أن يكون عالماً باللغة العربيّة أولاً، لأنّ فهم اللغة ومعرفة أسرار المعاني وتبعات الألفاظ يُعين بلا شكّ في فهم القُرآن الكريم ويُخرج الشخص من دائرة الحيرة وعدم الفهم، والفهم الصحيح للقرآن يجعل العبد على بيّنة من أمره، لأنّهُ قد فهِمَ المصدر الربّاني الأول في التشريع وهذا الفهم يكون من خلال تفسير القرآن أو ما يُسمّى بالتأويل.

تفسير القرآن وفهم معانيه هوَ فضل عظيم لا يؤتى إلّا لمن أراد اللهُ بهِ خيراً، ونعلم أنّ عبدالله بن عباس رضيَ الله عنه كانَ من أعلم الناس بكلام الله تعالى وقد كانَ لقبهً تُرجمان القُرآن لما اشتهر بهِ من قُدرةٍ على التفسير والتأويل، وقد اشتهر العديد من العُلماء فيما بعد ممن أنار الله بصيرته وقام بتفسير القُرآن الكريم كالإمام الطبريّ والقرطبي وابن كثير وغيرهم الكثير.

 

مفهوم علم التفسير


التفسير لغةً: مأخوذة من الفسر، أي الكشف والإبانة، ذُكر في لسان العرب: الفسر أي البيان، فسر الشيء يفسره بالضمِّ فَسْراً، ويفسِّره بكسر السين، وفسّره أبانهُ، قال تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)، أي تفصيلاً وبياناً.

التفسيرُ اصطلاحاً: علمٌ يُبيَّن به كتابُ الله تعالى المنزل على نبيّهِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لتسهيل فهمه، واستخراجِ أحكامه والمراد من نزول آياته وسوره. ويعرف أيضاً هذا العلم بأنَّه العلم الذي يبحث المفسِّر فيه عن كيفية نطق ألفاظ القرآن، ومدلولاته، وأحكامهِ الإفرادية والتركيبية، والمعاني التي تُحمل عليها حال التركيب، وغيرها، كمعرفة: سبب النزول، والنسخ، وما به من توضيح المقام كالمثل والقصة.

يُمكِنُ القولُ بأنّ علمَ التفسيرِ ذلك العِلمُ الذي يُسلِّطُ الضَّوءَ على بَيانِ معاني القرآن الكريم وتفسيرها، وإعانة المُجتهِدِ على استنباطِ الأحكامِ الشرعيّة من الآيات الكريمة، ومن الجدير ذكره أنّ لعلمِ التفسير أهميةٌ بالغةٌ في حياةِ المُسلِم، إذ يُساعده على استيعاب آيات القرآن الكريم ومعانيها، ويُسهِّلُ تلبية مقاصدِهِ فهو أساسٌ للحياة الإسلاميّة السليمة، كما جاء ليَضع المُسلمَ أمامَ المعنى المراد إيصاله إليه ويأخذ بيده إلى المعنى الصحيح للآيات الكريمة في القرآن الكريم، ويستَنبِطُ الأحكامَ الشرعيّة سواءً كانت عمليّة أو اعتقاديّة

يَقترِنُ عِلمُ التّفسيرِ بالقرآن الكريم، ويُعرّف التفسير لغةً بأنّه الكشفُ العميقُ حولَ الغُموضِ الذي يكتَنِفُ لفظاً أو مصطلحاً ما، ويُعتَبَر كشفاً لما هو مُغلق الفهم، أمّا فيما يتعلّقُ بالتّفسير اصطلاحاً فهو كشفُ معاني القرآنِ والاستدلالِ إلى ما يُرادُ بألفاظِهِ ومصطلحاتِه، ويأتي التفسيرُ أكثر عموميّة من أيّ علم من علوم القرآن الأخرى.

 

أهمية علم التفسير وحاجة الآمة إليه


-يُعدّ علم التفسير من أنفعِ العلومِ على الإطلاقِ؛ فهو يتعلّقُ بكتابِ الله تعالى، فعلمُ التفسير تُعرف من خلالهِ معاني القرآن الكريم، التي تُساعدُ المسلمَ على الاهتداء للعملِ الصالحِ، ونيلِ رضى الله سبحانهُ وتعالى، والفوز بجناتهِ، وذلك بالعمل بأوامرهِ التي وردت في كتابهِ الكريم، واجتناب نواهيه، وأخذ العبرة من قصصهِ، وتصديق أخباره، وبعلم التفسير يتبيّن الإنسان الحق من الباطل، ويزول أيُّ لبسٍ في الوصولِ إلى معاني الآيات ودلالاتها الحقيقيةِ، ومن خلالهِ يصل الفقيه إلى استنباطِ الأحكامِ الشرعية؛ إذ يُعتبر القرآن الكريم الدليل التفصيليّ الأول للمعرفةِ والاستدلالِ على الأحكامِ الشرعية العملية. ذُكرت آياتٌ كثيرةٌ في مواضع عديدة في القرآن الكريم، تحثُّ المسلم على فهمِ القرآن الكريم فهماً صحيحاً، ومعرفة المطلوب منه والعملِ بمقتضاهُ، ولأجل هذه الأسباب يجب على المُفسّر أن يكون محيطاً ببعض العلوم، وأن تتوافر فيه شروط لا تتوافر في غيره من الناس، حتى يراعي وجه الله في تفسيره، وابتعادهِ عن تفسير القرآن الكريم حسب أهوائهِ ومعتقداتهِ، ومن العلوم التي يجب على المُفسّر أن يعرفها: علم الناسخ والمنسوخ، وعلم أسباب النزول، والأحكام الفقهيّة الموجودة في الآيات القرآنية، وعلوم اللغة، ومدلولات الألفاظ ومعانيها، ومصطلحاتها الكثيرة، والمشتهر منها لدى العرب، واستعمالاتها.

- فهم كلام الله عزَّ وجلّ والمُراد منه؛ وذلك لأنَّ القُرآن الكريم هوَ كلام الله سُبحانهُ وتعالى الذي هوَ المصدر الأوّل للتشريع الإسلاميّ وبدون فهم المصدر التشريعي الأساسي فلن يستقيم للمسلم معرفة تعاليم الدين بالشكل الذي ينبغي عليه حال المُسلم.

- معرفة التفسير يُفيد في استنباط الأحكام الفقهيّة من خلال الآيات، فالتفسير يضعك في قلب الآية ويقوم بتحليلها لك بحيث تستطيع الخروج بالرأي الفقهيّ السليم.

- يُبيّن لكَ الأيات الناسخة والمنسوخة من خلال فهمك للآيات اللاحقة زمنيّاً والتي نسخت ما قبلها تشريعاً أو حُكماً أو تلاوةً، وعلم معرفة الناسخ والمنسوخ من أكبر أبوب علوم القرآن التي أبدع فيها الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ رحمهُ الله تعالى.

- يُعين التفسير على حفظ القُرآن الكريم، لأنَّ الحفظ مع الفهم الواضح لآيات القرآن الكريم يجعلك قادراً على سرعة الحفظ مع تثبيت الحفظ لديك لأنّك تعلم ما تحفظهُ جيّداً.

- علم التفسير يلجأ بك إلى تعلّم بقيّة عُلوم اللغة ومعرفة أسباب النزول والمُتشابه والمُحكم من التنزيل.

 

 


التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب هو كتاب تفسير للقرآن من تأليف شيخ الإسلام فخر الدين الرازي (544هـ - 606هـ). التفسير الكبير ومفاتيح الغيب ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، وذلك لأنهما اسمان مشهوران بين العلماء والباحثين لتفسير واحد ألفه الإمام الفخر الرازي. وقد حاول بعض العلماء الجمع بين هذين الاسمين قائلين: ألف الرازي تفسيره الكبير المسمى مفاتيح الغيب.وهذا التفسير يعتبر أهم تفاسير المدرسة التفسيرية المنتمية إلى التفسير بالرأي المحمود، بل وأفضلها على الإطلاق. إذ يعد هذا التفسير موسوعة علمية متخصصة في مجال الدين الإسلامي عامة، وعلم التفسير على وجه الخصوص. بالإضافة إلى ذلك، أنه عمدة التفاسير العقلية للقرآن الذي يمثل ذروة المحاولة العقلية لفهم القرآن، بل هو مستودع ضخم للتوجيهات العقلية والأقوال النظرية في التفسير. ويعد تفسيراً شاملاً لكونه اشتمل على الجمع بين التفسير بالعقل السليم والنقل الصحيح، فضلاً عن شموله لأبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة. كما يعد من أطول التفاسير القديمة والحديثة، وأكثرها تفصيلاً وعرضاً للآراء، ومناقشة للمعتقدات والمذاهب المختلفة. ويذكر فيه الإمام الرازي مناسبة السورة مع غيرها، ويذكر المناسبات بين الآيات، ويستطرد في العلوم الكونية، ويتوسع بها، كما يذكر المسائل الأصولية والنحوية والبلاغية، والاستنباطات العقلية. ويبين في تفسيره معاني القرآن الكريم، وإشاراته، وفيه أبحاث مطولة في شتى العلوم الإسلامية

يعد هذا التفسير موسوعة ضخمة في تفسير القرآن وعلومه، حيث يقع في اثنان وثلاثون جزءاً في ستة عشر مجلداً من القطع الكبير، مطبوعة ومتداولة بين أهل العلم حيث يحظى بين دارسي القرآن بالشهرة الواسعة نظراً لما يشتمل عليه من أبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة، كما يعد من أمهات كتب التفسير بالرأي.

محتويات
1    التعريف بالمؤلف
2    تأليف التفسير ومسألة إنجازه كاملاً أم لا
3    محتوى الكتاب ومضمونه
4    منهجه في التفسير
4.1    القرآن منهل جميع العلوم
4.2    العناية الفائقة بالعلوم الكونية والرياضية والطبيعية
4.3    الاهتمام بالمناظرة والمجادلة مع الفرق المخالفة
4.4    التركيز على بيان روائع التعبير القرآني
4.5    تسليط الضوء على مكية السور ومدنيتها
4.6    الاهتمام باللغة العربية
4.7    الاهتمام بفواتح السور
4.8    الاهتمام بعلم القراءات
4.9    الاهتمام بأسباب النزول
4.10    الاهتمام بالمسائل الفقهية
4.11    الاهتمام بالمقارنة بين المذاهب الفقهية
4.12    الترفع عن كثرة الخلافات المذهبية
4.13    عدم التعصب لمذهب معين
4.14    التقليل من الأدلة النقلية والإكثار من التحليلات العقلية
4.15    الاستنباط والاستطراد وكثرة توليد المسائل
4.16    الابتعاد عن الإسرائيليات
4.17    الاهتمام بوجود المواعظ ضمن تفسيره
4.18    منهجه في تفسير سورة الفاتحة
5    اقتباسات متنوعة من التفسير
6    اختصار التفسير
7    مدى تأثر الرازي في التفسير بمن سبقه من العلماء
8    مدى تأثير الرازي في المفسرين الذين جاءوا بعده
9    أهم مزايا التفسير
10    أهم المآخذ على التفسير


 مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي
التفسير الكبير للرازي pdf

التفسير الكبير للرازي المكتبة الشاملة

تحميل التفسير الكبير الرازي pdf

نبذه عن كتاب مفاتيح الغيب للرازي

كتاب مفاتيح الغيب للشيرازي pdf

منهج الرازي في التفسير

تفسير الرازي سورة البقرة

تفسير الرازي pdf المكتبة 

فخر الدين الرازي

مفاتيح الغيب
مفاتيح الغيب الرازي

كتاب مفاتيح الغيب للشيرازي pdf

مفاتيح الغيب للرازي المكتبة الشاملة

سورة ذكر فيها مفاتيح الغيب

نبذه عن كتاب مفاتيح الغيب للرازي

مفاتيح الغيب سورة لقمان

تخريج حديث مفاتيح الغيب خمس

لماذا سميت مفاتيح الغيب



سنة النشر : 1981م / 1401هـ .
حجم الكتاب عند التحميل : 5.6MB .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

المؤلف:
فخر الدين الرازي -

كتب فخر الدين الرازي ❰ له مجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ مناقب الإمام الشافعي (الرازي) ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثالث: البقرة 35 - 109 ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثلاثون: الجمعة - المرسلات ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الأول: الفاتحة ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء السادس والعشرون: فاطر - الزمر 52 ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثامن والعشرون: الأحقاف - النجم 29 ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الحادي والثلاثون: النبأ - الضحى ❝ ❞ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الرابع والعشرون: النور 36 - القصص 55 ❝ الناشرين : ❞ دار الفكر ❝ ❞ مكتبة الكليات الازهرية ❝ ❱. المزيد..

كتب فخر الدين الرازي
الناشر:
دار الفكر
كتب دار الفكر❰ ناشرين لمجموعة من المؤلفات أبرزها ❞ مختصر العلامة خليل ❝ ❞ فتوح مصر وأخبارها ❝ ❞ الواح ودسر ❝ ❞ جرجي زيدان في الميزان ❝ ❞ صيد الخاطر (ت: الطنطاوي والألباني) ❝ ❞ من أجل التغيير ❝ ❞ أعيان العصر وأعوان النصر مجلد 1 ❝ ❞ تسريع القراءة وتنمية الاستيعاب برنامج عملي للقرءاة السريعة والنجاح بتفوق في الإمتحانات ❝ ❞ جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي (ط. الهندية) ❝ ومن أبرز المؤلفين : ❞ ابن عساكر ❝ ❞ علي الطنطاوي ❝ ❞ مالك بن نبي ❝ ❞ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ❝ ❞ احمد خيرى العمرى ❝ ❞ يحي بن شرف النووي أبو زكريا ❝ ❞ أبو العباس أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ❝ ❞ بهجت عبد الواحد صالح ❝ ❞ صلاح الدين الصفدي ❝ ❞ سعيد الأفغاني ❝ ❞ أحمد خيرى العمرى ❝ ❞ شوقي أبو خليل ❝ ❞ جمال البنا ❝ ❞ أبي البركات الأنباري ❝ ❞ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ❝ ❞ سهيل زكار ❝ ❞ أبو العلا عبد الرحمن المباركفوري ❝ ❞ خليل بن إسحاق الجندي ❝ ❞ سعيد ناشيد ❝ ❞ عبد الرحمن النحلاوي ❝ ❞ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ❝ ❞ محمد خير الشعال ❝ ❞ أنس الرفاعي ❝ ❞ أحمد بن عبد الله الأصفهاني أبو نعيم ❝ ❞ وليد إبراهيم قصاب ❝ ❱.المزيد.. كتب دار الفكر

كتب شبيهة بـ مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والثلاثون: الشرح - الناس:

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والعشرون: طه - الأنبياء PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والعشرون: طه - الأنبياء PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني والعشرون: طه - الأنبياء PDF مجانا

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الحادي والثلاثون: النبأ - الضحى PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الحادي والثلاثون: النبأ - الضحى PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الحادي والثلاثون: النبأ - الضحى PDF مجانا

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني: البقرة 1 - 34 PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني: البقرة 1 - 34 PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني: البقرة 1 - 34 PDF مجانا

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني عشر: المائدة 44 - الأنعام 53 PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني عشر: المائدة 44 - الأنعام 53 PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثاني عشر: المائدة 44 - الأنعام 53 PDF مجانا

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثامن والعشرون: الأحقاف - النجم 29 PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثامن والعشرون: الأحقاف - النجم 29 PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثامن والعشرون: الأحقاف - النجم 29 PDF مجانا

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثالث والعشرون: الحج - النور 35 PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثالث والعشرون: الحج - النور 35 PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء الثالث والعشرون: الحج - النور 35 PDF مجانا

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء السادس والعشرون: فاطر - الزمر 52 PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء السادس والعشرون: فاطر - الزمر 52 PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء السادس والعشرون: فاطر - الزمر 52 PDF مجانا

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء التاسع والعشرون: النجم 30 - الصف PDF

مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء التاسع والعشرون: النجم 30 - الصف PDF

قراءة و تحميل كتاب مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي الجزء التاسع والعشرون: النجم 30 - الصف PDF مجانا

اصنع بنفسكالقرآن الكريمحكم قصيرةكتابة على تورتة الخطوبةقراءة و تحميل الكتبكتب تعلم اللغاتالمساعدة بالعربيمعنى اسمكورسات مجانيةالكتابة عالصوركتب السياسة والقانون زخرفة أسامي و أسماء و حروف..كتب التاريختورتة عيد ميلادكتب للأطفال مكتبة الطفلكتب الطبخ و المطبخ و الديكوراقتباسات ملخصات كتبأسمك عالتورتهكتب الروايات والقصصالطب النبويحكمةالتنمية البشريةحروف توبيكات مزخرفة بالعربيكتابة على تورتة مناسبات وأعيادكتب قصص و رواياتكتب اسلاميةشخصيات هامة مشهورةزخرفة الأسماءمعاني الأسماءOnline يوتيوبكتابة أسماء عالصورتورتة عيد الميلادFacebook Text Artمعاني الأسماءكورسات اونلاينSwitzerland United Kingdom United States of Americaكتابة على تورتة الزفافبرمجة المواقعالكتب العامةكتب الأدبخدماتزخرفة توبيكاتكتب القانون والعلوم السياسية