❞ كتاب يوميات ❝  ⏤ فرناندو بيسوا

❞ كتاب يوميات ❝ ⏤ فرناندو بيسوا

ال دائماً ما تكون دالَّة على انشغالات الكاتب. لكن مع بيسوا تغدو التكهّنات مستحيلة. يكون القارئ وجهاً لوجه أمام يوميَّات بيسوا الدقيقة، التي يشعر القارئ لوهلة أنّها عادية! لكن مع التقِّدم في القراءة، تغدو الأفكار الموجودة بين طيّات الكتاب كاشفةً عن وحيٍ ما . يبرع بيسوا في الخلق، وهذا ما يبدو عليه في هذه ال التي كتبها قبل بلوغه العشرين... سنّ مبكرة بالنسبة للبدء بكتابة ملاحظات وانطباعاتٍ غريبة بدأت من 1906 وامتدت حتى 1908 ومن 1913 وحتّى 1915 في مرحلةٍ ثانية. لم يضيع شيئا مما كتب، حتى بطاقات المجاملة وتذاكر السفر والقصاصات التي دون عليها بعض الملاحظات، كان قد خبأ هذا الكنز بإحكام في صندوق، يشبه مغارة «علي بابا»، لم يتم فتحه إلا بعد أكثر من ثلاثين سنة بعد موته. من خلال اليوميَّات المختزلة والمشذّبة، يستدلّ القارئ على ولع بيسوا بالإيجاز. كلّ شيء مرتّب لفظاً، ودال على المعنى دون زوائد لغويَّة. وهذا ما جعل بعض منظري الأدب يعتبرونه رائد الكتابة « الشذرية.». سأترككم الأن تلمسون تجربه الوحي وإعادة الخلق هذه مع مجموعة نصوصه التي اخترتها لكم لماذا أنا تعيس إلى هذا الحد ! لماذا أنا يجب أن أكون . لماذا نصفي معارض لنصفي الأخر ! و نَصْرُ احدهما هو هزيمة الأخر . والهزيمة عذاب . هو عذابي دائما .ثمة طرف مني كبير ونبيل ، و الاخر حقير ودنيء وهما معا جزء من ذاتي . عندما ينتصر الطرف الكبير فيّ ، أعاني بشدة لان الطرف الاخر الذي هو حقا أناي الذي لم انجح في اخراجه من داخلي يعاني ويتألم . وحينما يتفوق الطرف الخسيس فيّ ، يتألم الأخر النبيل ويتشكّى.لم توجد قط روح أكثر ودا وحنوا من روحي ، أكثر طيبة ورأفة واكثر تعاطفا وتقاربا وحبا . مع ذلك لا وجود لروح أشدّ وحدة من روحي ؛ الى جانب حنوي الهائل وطيبتي ثمة عنصر في طبعي معارض كليا ، عنصر غم وانانية ذو مفعول مزدوج : يمنع ويلغي نمو تلك المزايا الباطنية والحيلولة ، بما يسببه من غم ، دون تجسدها خارجيا بالإعراب عنها . على أن أحلل هذا كله في يوم من الايام ؛ يجب أن اختبر بعناية ، و أن أميز بين هذه العناصر المكونة لطبعي ؛ ذلك أن فضولي إزاء الاشياء كلها ، مضموما الى فضولي تجاه ذاتي نفسها وتجاه طبعي الخاص. انتمي الى ذلك الصنف من ذوي الطبع الباطني المنكفيء على ذاتي ، الصموت ممن لا يكتفي بذاته وانما يضيع ذاته نفسها . حياتي كلها كانت حلما ولا مبالاة . مزاجي مصنوع بتمامه من رفض، من رعب ، من عجز ، تجتاح كل ما أنا إياه فيزيقيا وذهنيا ونفسيا وتقودني الى أفعال حاسمة وأفكار نهائية . لم اتخذ قط أي قرار ناجم مني . لم اتصرف البتة وفق ارادة واعية ، ولم اتمكن من إنهاء أي كتابة كتبتها . أفكاري دائما ولدت مختلطة . أفكار غريبة لا تغتفر ، تتبع الحد حتى اللانهائي . لا اتمكن من كبح كراهية تفكيري للنهاية . من شيء واحد تنبثق عندي مئة فكرة . وهذه الافكار المئة تولد ألف من ترابطات أفكار أخرى ، تتخذ فيها اساسا لها ولا أملك قوة ارادة لازالتها أو ايقافها ولا حتى لتجميعها في فكرة مركزية واحدة تسمح بإقصاء التفاصيل الصغيرة التافهة . وتظل تلاحقني أفكار ليست أفكاري . انا لا أتأمل ، بل أحلم ، أهلوس ، لا أتلقي الهاما . أستطيع أن ارسم لكنني لم أجرب الرسم فقط . انا قادر على التأليف الموسيقي غير أنني لم أحاول ذلك قط . ثمة تصورات غريبة عن الفنون الثلاثة تداعب خيالي . غير انني انومها تماما حتى تموت .إن وجود أفعال ووقائع منغلقة حول الله أو العالم ترعبني ، كون الجزء الاكبر من الاشياء التي تنفتح يتوجب اغلاقها ، كون الناس ينبغي أن يكونو سعداء ، أن يجدو حلا للشر الذي يؤلم المجتمع ، مجرد فكرة بسيطة عن هذا كله تجنني ، وبرغم ذلك فأنا لست شريرا ولا قاسيا . أنا مجنون حنونا عسيرا على الفهم .أنا ظلي نفسي ذاتها ، ابحث عن الظل أحيانا أتوقف عند حافة نفسي و اتساءل ما إذا كنت مجنونا أو أنني سر موغل في السرية .ما قمت به من أفعال كان موجها دائما نحو الداخل .. لم المس الحياة فقط .. لقد قدت معسكرات كبيرة . ربحت معارك كبرى ، استمتعت بهزائم كبرى ؛ كل ذلك بداخلي .لم أعرف قط الحب كيف يكون ... عرفت فحسب كيف يكون الحلم بالحب .. يضايقني فراغ مطلق من أخوة ومودة . حتى الذين يوجدون بالقرب مني غير موجودين ، انني محاط باصدقاء ليسو اصدقائي وبمعارف لا يعرفونني . أشعر ببرد في الروح ، لا أعرف كيف أحمي ذاتي ولا يوجد غطاء و لا رداء لتدفئة برد الروح .أنا اليوم أكثر وحدة مما كنت . معزول أكثر مما كنت . شيئا فشيئا تتفكك كل روابطي تلقائيا . عما قريب سأبقى وحيدا تماما . أسوأ الامي يكمن في عدم قدرتي أبدا على نسيان حضوري الميتافيزيقي في الحياة . هنا مكمن خجلي المتعالي الذي يفزع جميع حركاتي وينزع عني جميع عباراتي روح البساطة والانفعال مباشرة . بيني وبين العالم ضبابة تمنعني من رؤية الاشياء كما هي في حقيقتها ، كما هي بالنسبة للاخرين . هذا ما أحس، لدي أفكار إن استطعتُ تجسيدها ومنحها حياةً يمكنها أن تضيف سطوعًا جديدًا الى النجوم ، جمالاً جديدًا الى العالم وحبا أعظم الى قلب الإنسان .اختم لأعلق على أخر شذرة و أقول اه من أفكارك يا بيسوا لو تجسد الواحد بالمئة منها لرأينا نجوما بخلق أخر تنضاف الى خلق فان غوغ العظيم في لوحته ليلة النجوم
فرناندو بيسوا - ❰ له مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ اللاطمأنينة ❝ ❞ لست ذا شأن ... ( شذرات )- منشورات الجمل ❝ ❞ أناشيد .. ريكاردو رييس ❝ ❞ الباب وقصص أخرى ❝ ❞ لست ذا شأن ... ( شذرات ) ❝ ❞ يوميات ❝ ❞ قصائد .. ألبارو دي كامبوس ❝ ❞ لست ذا شأن ... ( شذرات ) ❝ ❞ راعي القطيع ❝ الناشرين : ❞ المركز الثقافي العربي ❝ ❞ منشورات الجمل ❝ ❞ منشورات وزارة الثقافة - الأردن ❝ ❞ مكتبة السلام الجديدة - الدار البيضاء ❝ ❞ دار المناهل ❝ ❱
من أدب السجون أدبية متنوعة - مكتبة الكتب والموسوعات العامة.

نبذة عن الكتاب:
يوميات

ال دائماً ما تكون دالَّة على انشغالات الكاتب. لكن مع بيسوا تغدو التكهّنات مستحيلة. يكون القارئ وجهاً لوجه أمام يوميَّات بيسوا الدقيقة، التي يشعر القارئ لوهلة أنّها عادية! لكن مع التقِّدم في القراءة، تغدو الأفكار الموجودة بين طيّات الكتاب كاشفةً عن وحيٍ ما . يبرع بيسوا في الخلق، وهذا ما يبدو عليه في هذه ال التي كتبها قبل بلوغه العشرين... سنّ مبكرة بالنسبة للبدء بكتابة ملاحظات وانطباعاتٍ غريبة بدأت من 1906 وامتدت حتى 1908 ومن 1913 وحتّى 1915 في مرحلةٍ ثانية. لم يضيع شيئا مما كتب، حتى بطاقات المجاملة وتذاكر السفر والقصاصات التي دون عليها بعض الملاحظات، كان قد خبأ هذا الكنز بإحكام في صندوق، يشبه مغارة «علي بابا»، لم يتم فتحه إلا بعد أكثر من ثلاثين سنة بعد موته. من خلال اليوميَّات المختزلة والمشذّبة، يستدلّ القارئ على ولع بيسوا بالإيجاز. كلّ شيء مرتّب لفظاً، ودال على المعنى دون زوائد لغويَّة. وهذا ما جعل بعض منظري الأدب يعتبرونه رائد الكتابة « الشذرية.». سأترككم الأن تلمسون تجربه الوحي وإعادة الخلق هذه مع مجموعة نصوصه التي اخترتها لكم لماذا أنا تعيس إلى هذا الحد ! لماذا أنا يجب أن أكون . لماذا نصفي معارض لنصفي الأخر ! و نَصْرُ احدهما هو هزيمة الأخر . والهزيمة عذاب . هو عذابي دائما .ثمة طرف مني كبير ونبيل ، و الاخر حقير ودنيء وهما معا جزء من ذاتي . عندما ينتصر الطرف الكبير فيّ ، أعاني بشدة لان الطرف الاخر الذي هو حقا أناي الذي لم انجح في اخراجه من داخلي يعاني ويتألم . وحينما يتفوق الطرف الخسيس فيّ ، يتألم الأخر النبيل ويتشكّى.لم توجد قط روح أكثر ودا وحنوا من روحي ، أكثر طيبة ورأفة واكثر تعاطفا وتقاربا وحبا . مع ذلك لا وجود لروح أشدّ وحدة من روحي ؛ الى جانب حنوي الهائل وطيبتي ثمة عنصر في طبعي معارض كليا ، عنصر غم وانانية ذو مفعول مزدوج : يمنع ويلغي نمو تلك المزايا الباطنية والحيلولة ، بما يسببه من غم ، دون تجسدها خارجيا بالإعراب عنها . على أن أحلل هذا كله في يوم من الايام ؛ يجب أن اختبر بعناية ، و أن أميز بين هذه العناصر المكونة لطبعي ؛ ذلك أن فضولي إزاء الاشياء كلها ، مضموما الى فضولي تجاه ذاتي نفسها وتجاه طبعي الخاص. انتمي الى ذلك الصنف من ذوي الطبع الباطني المنكفيء على ذاتي ، الصموت ممن لا يكتفي بذاته وانما يضيع ذاته نفسها . حياتي كلها كانت حلما ولا مبالاة . مزاجي مصنوع بتمامه من رفض، من رعب ، من عجز ، تجتاح كل ما أنا إياه فيزيقيا وذهنيا ونفسيا وتقودني الى أفعال حاسمة وأفكار نهائية . لم اتخذ قط أي قرار ناجم مني . لم اتصرف البتة وفق ارادة واعية ، ولم اتمكن من إنهاء أي كتابة كتبتها . أفكاري دائما ولدت مختلطة . أفكار غريبة لا تغتفر ، تتبع الحد حتى اللانهائي . لا اتمكن من كبح كراهية تفكيري للنهاية . من شيء واحد تنبثق عندي مئة فكرة . وهذه الافكار المئة تولد ألف من ترابطات أفكار أخرى ، تتخذ فيها اساسا لها ولا أملك قوة ارادة لازالتها أو ايقافها ولا حتى لتجميعها في فكرة مركزية واحدة تسمح بإقصاء التفاصيل الصغيرة التافهة . وتظل تلاحقني أفكار ليست أفكاري . انا لا أتأمل ، بل أحلم ، أهلوس ، لا أتلقي الهاما . أستطيع أن ارسم لكنني لم أجرب الرسم فقط . انا قادر على التأليف الموسيقي غير أنني لم أحاول ذلك قط . ثمة تصورات غريبة عن الفنون الثلاثة تداعب خيالي . غير انني انومها تماما حتى تموت .إن وجود أفعال ووقائع منغلقة حول الله أو العالم ترعبني ، كون الجزء الاكبر من الاشياء التي تنفتح يتوجب اغلاقها ، كون الناس ينبغي أن يكونو سعداء ، أن يجدو حلا للشر الذي يؤلم المجتمع ، مجرد فكرة بسيطة عن هذا كله تجنني ، وبرغم ذلك فأنا لست شريرا ولا قاسيا . أنا مجنون حنونا عسيرا على الفهم .أنا ظلي نفسي ذاتها ، ابحث عن الظل أحيانا أتوقف عند حافة نفسي و اتساءل ما إذا كنت مجنونا أو أنني سر موغل في السرية .ما قمت به من أفعال كان موجها دائما نحو الداخل .. لم المس الحياة فقط .. لقد قدت معسكرات كبيرة . ربحت معارك كبرى ، استمتعت بهزائم كبرى ؛ كل ذلك بداخلي .لم أعرف قط الحب كيف يكون ... عرفت فحسب كيف يكون الحلم بالحب .. يضايقني فراغ مطلق من أخوة ومودة . حتى الذين يوجدون بالقرب مني غير موجودين ، انني محاط باصدقاء ليسو اصدقائي وبمعارف لا يعرفونني . أشعر ببرد في الروح ، لا أعرف كيف أحمي ذاتي ولا يوجد غطاء و لا رداء لتدفئة برد الروح .أنا اليوم أكثر وحدة مما كنت . معزول أكثر مما كنت . شيئا فشيئا تتفكك كل روابطي تلقائيا . عما قريب سأبقى وحيدا تماما . أسوأ الامي يكمن في عدم قدرتي أبدا على نسيان حضوري الميتافيزيقي في الحياة . هنا مكمن خجلي المتعالي الذي يفزع جميع حركاتي وينزع عني جميع عباراتي روح البساطة والانفعال مباشرة . بيني وبين العالم ضبابة تمنعني من رؤية الاشياء كما هي في حقيقتها ، كما هي بالنسبة للاخرين . هذا ما أحس، لدي أفكار إن استطعتُ تجسيدها ومنحها حياةً يمكنها أن تضيف سطوعًا جديدًا الى النجوم ، جمالاً جديدًا الى العالم وحبا أعظم الى قلب الإنسان .اختم لأعلق على أخر شذرة و أقول اه من أفكارك يا بيسوا لو تجسد الواحد بالمئة منها لرأينا نجوما بخلق أخر تنضاف الى خلق فان غوغ العظيم في لوحته ليلة النجوم . المزيد..

تعليقات القرّاء:



حجم الكتاب عند التحميل : 1.4 ميجا بايت .
نوع الكتاب : pdf.
عداد القراءة: عدد قراءة يوميات

اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل يوميات
شكرًا لمساهمتكم

شكراً لمساهمتكم معنا في الإرتقاء بمستوى المكتبة ، يمكنكم االتبليغ عن اخطاء او سوء اختيار للكتب وتصنيفها ومحتواها ، أو كتاب يُمنع نشره ، او محمي بحقوق طبع ونشر ، فضلاً قم بالتبليغ عن الكتاب المُخالف:

برنامج تشغيل ملفات pdfقبل تحميل الكتاب ..
يجب ان يتوفر لديكم برنامج تشغيل وقراءة ملفات pdf
يمكن تحميلة من هنا 'http://get.adobe.com/reader/'

المؤلف:
فرناندو بيسوا - Fernando Pessoa

كتب فرناندو بيسوا ❰ له مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ اللاطمأنينة ❝ ❞ لست ذا شأن ... ( شذرات )- منشورات الجمل ❝ ❞ أناشيد .. ريكاردو رييس ❝ ❞ الباب وقصص أخرى ❝ ❞ لست ذا شأن ... ( شذرات ) ❝ ❞ يوميات ❝ ❞ قصائد .. ألبارو دي كامبوس ❝ ❞ لست ذا شأن ... ( شذرات ) ❝ ❞ راعي القطيع ❝ الناشرين : ❞ المركز الثقافي العربي ❝ ❞ منشورات الجمل ❝ ❞ منشورات وزارة الثقافة - الأردن ❝ ❞ مكتبة السلام الجديدة - الدار البيضاء ❝ ❞ دار المناهل ❝ ❱. المزيد..

كتب فرناندو بيسوا